مدارج السالكين

إذا غُرِست شجرة المحبّة في القلب، وسُقِيت بماء الإخلاص ومتابعة الحبيب، أثمرتْ أنواعَ الثِّمار، وآتتْ أُكُلَها كلَّ حينٍ بإذن ربِّها. أصلها ثابتٌ في قرار القلب، وفرعُها متّصلٌ بسِدْرة المنتهى.

لا يزال سعْيُ المحبِّ صاعدًا إلى حبيبه، لا يَحجُبه دونه شيءٌ. ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠].

فصل

لا تُحَدُّ المحبّة بحدٍّ أوضحَ منها، فالحدود لا تزيدها إلّا خفاءً وجفاءً. فحدُّها وجودها، ولا تُوصَف المحبّة بوصفٍ أظهر من المحبّة.

وإنّما يتكلّم النّاس في أسبابها وموجباتها، وعلاماتها وشواهدها، وثمراتها وأحكامها. فحدودهم ورسومهم دارت على هذه السِّتّة١، وتنوَّعتْ بهم العبارات، وكثرت الإشارات، بحسب إدراك الشّخص ومقامه وحاله ومِلْكِه٢ للعبارة.

وهذه المادّة تدور في اللُّغة على خمسة أشياء٣:

أحدها: الصّفاء والبياض. ومنه قولهم لصفاء بياض الأسنان ونَضَارتها: حَبَب الأسنانِ.

  1. (١) ش، د: «السنة». وفوقها في ش: «ظ: الألسنة».
  2. (٢) د: «ملكته».
  3. (٣) وعند ابن فارس في «مقاييس اللغة» (٢/ ٢٦): أصول ثلاثة، أحدها: اللزوم والثبات، والآخر: الحبَّة من الشيء ذي الحَبّ، والثالث: وصف القِصَر.
369

الثّاني: العلوُّ والظُّهور. ومنه: حَبَبُ الماء وحَبابُه، وهو ما يعلوه عند المطر الشّديد. وحَبَبُ الكأسِ منه.

الثّالث: اللُّزوم والثّبات. ومنه: حَبَّ البعيرُ وأَحبَّ، إذا بَركَ فلم يقم. قال الشّاعر١:

حُلْتَ عليه بالفَلاةِ٢ ضَرْبَاضرْبَ بعيرِ السَّوءِ إذْ أَحبَّا

الرّابع: اللُّبُّ. ومنه: حَبَّة القلب، للُبِّه وداخلِه. ومنه الحَبَّة لواحدة الحبوب، إذ هي أصل الشّيء ومادّته وقِوامُه.

الخامس: الحفظ والإمساك. ومنه: حُبُّ الماءِ، للوعاء الذي يحفظ فيه ويمسكه. وفيه معنى الثُّبوت أيضًا.

ولا ريبَ أنّ هذه الخمسة من لوازم المحبّة. فإنّها صفاء المودّة، وهَيجانُ إرادات القلب٣ وعلوُّها وظهورُها منه لتعلُّقها بالمحبوب المراد، وثبوت إرادة٤ القلب للمحبوب ولزومُها لزومًا لا تفارق، ولإعطاء المحبِّ محبوبَه لُبَّه وأشرفَ ما عنده، وهو قلبه، ولاجتماع عَزَماتِه وإرادتِه وهمومِه على محبوبه. فاجتمعت فيها المعاني الخمسة.

  1. (١) هو الراجز أبو محمد الفقعسي، كما في «لسان العرب» (حبب، قرشب، قفل). وهو من أرجوزة في «الأصمعيات» (ص ١٦٣) بلا نسبة، وبلا نسبة أيضًا في «جمهرة اللغة» (١/ ٦٥)، و«مقاييس اللغة» (٢/ ٢٧)، و«مجمل اللغة» (٢/ ٢٩) وغيرها.
  2. (٢) كذا في النسخ. والرواية في المصادر: «بالقَفيلِ» أو «بالقَطيع»، وكلاهما بمعنى السوط.
  3. (٣) ش، د: «القلوب».
  4. (٤) د: «إرادات».
370

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي