مدارج السالكين

العشرون: غضُّ طَرْفِ القلب عمّا سوى المحبوب غيرةً، وعن المحبوب هيبةً١.

وهذا يحتاج إلى تبيينٍ:

أمّا الأوّل: فظاهرٌ. وأمّا الثّاني: فإنّ غضَّ طَرْفِ القلب عن المحبوب مع كمالِ محبّته كالمستحيل، ولكن عند استيلاء سلطانِ الهيبة يقع مثل هذا، وذلك من علامات المحبّة المقارنة للهيبة والتّعظيم. وقد قيل: إنّ هذا تفسير قول النّبيِّ ﷺ: «حُبُّك الشّيءَ يُعمِي ويُصِمُّ»٢، أي يُعمِي عمّا سواه غيرةً، وعنه هيبةً.

وليس هذا مراد الحديث، ولكنّ المراد به: أنّ حبّك للشّيء يُعمِي ويُصِمُّ عن تأمُّل قبائحه ومساويه، فلا تَراها ولا تَسمعها وإن كانت فيه. وليس المراد به: ذكر المحبّة المطلوبة المتعلِّقة بالرّبِّ، ولا يقال في حبِّ الرّبِّ ﵎: «حبُّك الشّيء»، ولا يُوصف صاحبها بالعَمى والصَّمَم.

ونحن لا ننكر المرتبتين المذكورتين، فإنّ المحبّ قد يَعمَى ويَصَمُّ عن سوى محبوبه، وقد يَعمَى ويَصَمُّ عنه بالهيبة والإجلال، ولكن لا تُوصَف محبّة العبد لربِّه تعالى بذلك. وليس أهلها من أهل العَمى والصَّمَم، بل

  1. (١) لم أجده في «القشيرية» وغيرها.
  2. (٢) أخرجه أحمد (٢١٦٩٤، ٢٧٥٤٨)، والبخاري في «التاريخ الكبير» (٢/ ١٠٧)، وأبو داود (٥١٣٠) وغيرهم من حديث أبي الدرداء مرفوعًا. وفي إسناده أبو بكر بن أبي مريم ضعيف. وقد صحَّ عنه موقوفًا، قال المنذري في «مختصر السنن» (٨/ ٣١): يُروى عن بلال (ابن أبي الدرداء) عن أبيه موقوفًا عليه غير مرفوع، وقيل: إنه أشبه بالصواب. وانظر: «المقاصد الحسنة» (ص ١٨١).
377

هم١ أهلُ الأسماع والأبصار على الحقيقة، ومَن سواهم هم الصُّمُّ البُكْم الذين لا يعقلون.

الحادي والعشرون: ميلُك إلى الشّيء بكلِّيّتك، ثمّ إيثارُك له على نفسك وروحِك ومالِك، ثمّ موافقتُك له سِرًّا وجهرًا، ثمّ علمُك بتقصيرِك في حُبِّه٢.

قال الجنيد: سمعت الحارثَ المُحاسبيّ رحمهما الله يقول ذلك.

الثّاني والعشرون: المحبّة نارٌ في القلب تُحرِق ما سوى مراد المحبوب٣.

سمعتُ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقول: لُمْتُ بعضَ المباحيَّة٤، فقال لي ذلك، ثمّ قال: والكونُ كلُّه مراده، فأيّ شيءٍ أبغضُ منه؟ قال الشّيخ: فقلت له: إذا كان المحبوب قد أبغضَ أفعالًا وأقوالًا وأقوامًا وعاداهم وطَردَهم ولَعنَهم فأحببتَهم أنتَ= كنتَ مواليًا للمحبوب أو معاديًا له؟ قال: فكأنّما أُلقِمَ حَجرًا٥، وافتضَحَ بين أصحابه. وكان مقدّمًا فيهم مشارًا إليه.

وهذا الحدُّ صحيحٌ. وقائله إنّما أراد: أنّها تُحرِق من القلب ما سوى مراد المحبوب الدِّينيِّ الأمريِّ الذي يُحِبُّه ويرضاه، لا المراد الذي قدَّره وقضاه.

  1. (١) «هم» ليست في ل.
  2. (٢) رواه القشيري في «الرسالة القشيرية» (ص ٦٥٦)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٤٧٧). وذكره المؤلف في «روضة المحبين» (ص ٥٥٢).
  3. (٣) «الرسالة القشيرية» (ص ٦٥٦).
  4. (٤) يقصد بهم القائلين بوحدة الوجود، المحتجين بالإرادة الكونية على الإباحة.
  5. (٥) نقله المؤلف عن شيخه في «طريق الهجرتين» (١/ ١٨٤، ٢/ ٦٥٨) و«شفاء العليل» (ص ١٩). وانظر: «مجموع الفتاوى» (١٠/ ٢١٠، ٤٨٦).
378

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي