مدارج السالكين

هم١ أهلُ الأسماع والأبصار على الحقيقة، ومَن سواهم هم الصُّمُّ البُكْم الذين لا يعقلون.

الحادي والعشرون: ميلُك إلى الشّيء بكلِّيّتك، ثمّ إيثارُك له على نفسك وروحِك ومالِك، ثمّ موافقتُك له سِرًّا وجهرًا، ثمّ علمُك بتقصيرِك في حُبِّه٢.

قال الجنيد: سمعت الحارثَ المُحاسبيّ رحمهما الله يقول ذلك.

الثّاني والعشرون: المحبّة نارٌ في القلب تُحرِق ما سوى مراد المحبوب٣.

سمعتُ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقول: لُمْتُ بعضَ المباحيَّة٤، فقال لي ذلك، ثمّ قال: والكونُ كلُّه مراده، فأيّ شيءٍ أبغضُ منه؟ قال الشّيخ: فقلت له: إذا كان المحبوب قد أبغضَ أفعالًا وأقوالًا وأقوامًا وعاداهم وطَردَهم ولَعنَهم فأحببتَهم أنتَ= كنتَ مواليًا للمحبوب أو معاديًا له؟ قال: فكأنّما أُلقِمَ حَجرًا٥، وافتضَحَ بين أصحابه. وكان مقدّمًا فيهم مشارًا إليه.

وهذا الحدُّ صحيحٌ. وقائله إنّما أراد: أنّها تُحرِق من القلب ما سوى مراد المحبوب الدِّينيِّ الأمريِّ الذي يُحِبُّه ويرضاه، لا المراد الذي قدَّره وقضاه.

  1. (١) «هم» ليست في ل.
  2. (٢) رواه القشيري في «الرسالة القشيرية» (ص ٦٥٦)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٤٧٧). وذكره المؤلف في «روضة المحبين» (ص ٥٥٢).
  3. (٣) «الرسالة القشيرية» (ص ٦٥٦).
  4. (٤) يقصد بهم القائلين بوحدة الوجود، المحتجين بالإرادة الكونية على الإباحة.
  5. (٥) نقله المؤلف عن شيخه في «طريق الهجرتين» (١/ ١٨٤، ٢/ ٦٥٨) و«شفاء العليل» (ص ١٩). وانظر: «مجموع الفتاوى» (١٠/ ٢١٠، ٤٨٦).
378

لكن لقلّة حظِّ المتأخِّرين منهم وغيرهم من أهل العلم وقعوا فيما وقعوا فيه من الإباحة والحلول والاتِّحاد، والمعصوم من عصمه الله.

الثّالث والعشرون: المحبّة بذْلُ المجهود، وترك الاعتراض على المحبوب١.

وهذا أيضًا من حقوقها وثمراتها وموجَباتها.

الرّابع والعشرون: سُكْرٌ لا يَصحُو صاحبُه إلّا بمشاهدة محبوبه٢.

ثمّ السُّكر الذي يحصل عند المشاهدة لا يوصف، وأنشد٣:

فأَسْكرَ القومَ دَوْرُ٤ الكأسِ بينهمُلكنَّ سُكرِي٥ نَشَا من رؤيةِ السَّاقِي

وينبغي صونُ المحبّة والحبيب عن هذه الألفاظ، التي غايةُ صاحبها أن يُعذَر بصدقِه وغلبةِ الوارد عليه وقهرِه له. فمحبّة الله أعلى وأجلُّ من أن تُضرَب لها هذه الأمثال، وتُجعَل عُرضةً للأفواه المتلوِّثة، ولكنّ الصّادق في خَفَارةِ صدقِه.

  1. (١) نحوه في «الرسالة القشيرية» (ص ٦٥٦). وعزاه السرَّاج في «اللمع» (ص ٥٨) إلى الحسين بن علي ﵄.
  2. (٢) «الرسالة القشيرية» (ص ٦٥٩).
  3. (٣) لم أجد البيت في المصادر. وفي «الرسالة القشيرية» هنا بيت آخر، وهو:
    فأسكر القومَ دورُ كأسٍ ... وكان سُكْرِي من المديرِ
    وهو بلا نسبة في «المحب والمحبوب والمشموم والمشروب» (٤/ ٢٦٢) آخر قصيدة.
  4. (٤) ش: «دون»، تحريف.
  5. (٥) ش، د: «سكرًا».
379

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي