مدارج السالكين

لكن لقلّة حظِّ المتأخِّرين منهم وغيرهم من أهل العلم وقعوا فيما وقعوا فيه من الإباحة والحلول والاتِّحاد، والمعصوم من عصمه الله.

الثّالث والعشرون: المحبّة بذْلُ المجهود، وترك الاعتراض على المحبوب١.

وهذا أيضًا من حقوقها وثمراتها وموجَباتها.

الرّابع والعشرون: سُكْرٌ لا يَصحُو صاحبُه إلّا بمشاهدة محبوبه٢.

ثمّ السُّكر الذي يحصل عند المشاهدة لا يوصف، وأنشد٣:

فأَسْكرَ القومَ دَوْرُ٤ الكأسِ بينهمُلكنَّ سُكرِي٥ نَشَا من رؤيةِ السَّاقِي

وينبغي صونُ المحبّة والحبيب عن هذه الألفاظ، التي غايةُ صاحبها أن يُعذَر بصدقِه وغلبةِ الوارد عليه وقهرِه له. فمحبّة الله أعلى وأجلُّ من أن تُضرَب لها هذه الأمثال، وتُجعَل عُرضةً للأفواه المتلوِّثة، ولكنّ الصّادق في خَفَارةِ صدقِه.

  1. (١) نحوه في «الرسالة القشيرية» (ص ٦٥٦). وعزاه السرَّاج في «اللمع» (ص ٥٨) إلى الحسين بن علي ﵄.
  2. (٢) «الرسالة القشيرية» (ص ٦٥٩).
  3. (٣) لم أجد البيت في المصادر. وفي «الرسالة القشيرية» هنا بيت آخر، وهو:
    فأسكر القومَ دورُ كأسٍ ... وكان سُكْرِي من المديرِ
    وهو بلا نسبة في «المحب والمحبوب والمشموم والمشروب» (٤/ ٢٦٢) آخر قصيدة.
  4. (٤) ش: «دون»، تحريف.
  5. (٥) ش، د: «سكرًا».
379

الخامس والعشرون: أن لا يُؤثِرَ على المحبوب غيرَه، وأن لا يتولّى أمورَه١ غيرُه.

السّادس والعشرون: الدُّخول تحت رِقِّ المحبوب وعبوديّته، والحرِّيّةُ من استرقاقِ ما سواه.

السّابع والعشرون: المحبّة سفرُ القلبِ في طلب المحبوب، ولَهَجُ اللِّسان بذكرِه على الدّوام.

قلت: أمّا سفر القلب في طلبه فهو الشّوقُ إلى لقائه، وأمّا لَهَجُ اللِّسان بذكره فلا ريبَ أنّ من أحبّ شيئًا أكثرَ مِن ذِكْرِه.

الثّامن والعشرون: المحبّة ما لا يَنقُص بالجفاء، ولا يزيد بالبرِّ٢.

وهو ليحيى بن معاذٍ. بل الإرادة والطّلب والشّوق إلى المحبوب لذاته، فلا يَنقُص ذلك جفاؤه، ولا يزيده بِرُّه.

وفي هذا ما فيه، فإنّ المحبّة الذّاتيّة تزيد بالبرِّ، ولا ينقُصُها زيادتها بالبرِّ. وليس ذلك بعلّةٍ، ولكنّ مراد يحيى: أنّ القلب قد امتلأ بالمحبّة الذّاتيّة، فإذا جاءهُ البرُّ من محبوبه لم يجد في القلب مكانًا خاليًا من حبِّه تَشْغَلُه محبّةُ البرِّ، بل تلك المحبّة قد استحقّت عليه بالذّات بلا سببٍ. ومع هذا فلا يُزِيل الوهم، فإنّ المحبّة لا نهايةَ لها، وكلّما قويت المعرفة والبرُّ قويت المحبّة، ولا نهايةَ لجمال المحبوب ولا برِّه، فلا نهايةَ لمحبّته. بل لو جُمِعت محبّةُ الخلق كلِّهم وكانت على قلب رجلٍ واحدٍ منهم= لكان ذلك دونَ ما يستحقُّه الرّبُّ ﷻ.

  1. (١) ل: «أمورك».
  2. (٢) «الرسالة القشيرية» (ص ٦٥٤).
380

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي