مدارج السالكين

عنها اقتضى١ شمول الرّحمة وسعتها، فوسع كلَّ شيءٍ بربوبيته ورحمته، مع أنّ في كونه ربًّا للعالمين ما يدلُّ على علوِّه على خلقه وكونه فوق كلِّ شيءٍ، كما يأتي بيانه عن قربٍ٢ إن شاء الله تعالى.

فصل

وفي٣ ذكر هذه٤ الأسماء بعد الحمد، وإيقاع الحمد على مضمونها ومقتضاها= ما يدلُّ على أنّه محمودٌ في إلهيّته، محمودٌ في ربوبيّته، محمودٌ في رحمانيّته، محمودٌ في ملكه؛ وأنّه إلهٌ محمودٌ، ربٌّ٥ محمودٌ، ورحمنُ محمودٌ، وملِكٌ محمودٌ. فله بذلك جميع أقسام الكمال: كمالٌ من هذا الاسم بمفرده، وكمالٌ من الآخر بمفرده، وكمالٌ من اقتران أحدهما بالآخر.

مثال ذلك: قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [التغابن: ٦]، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النساء: ٢٦]، ﴿وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الممتحنة: ٧]. فالغنى صفة كمالٍ، والحمدُ صفة كمالٍ، واقترانُ غناه بحمده كمالٌ أيضًا. وعلمُه كمالٌ، وحكمتُه كمالٌ، واقترانُ العلم بالحكمة كمالٌ أيضًا. وقدرتُه كمالٌ، واقترانُ القدرة بالمغفرة كمالٌ.

  1. (١) م، ش: "اختص"، ولعل مثله كان في الأصل ثم أصلح.
  2. (٢) لم يرد "عن قرب" في ع.
  3. (٣) ع: "في" دون الواو قبلها.
  4. (٤) م: "وقد ذكر في هذه"، وفي هامشها أشير إلى أن في نسخة كما أثبت.
  5. (٥) كذا "ربٌّ" دون الواو قبله في الأصل وغيره.
54

وكذلك العفوُ بعد القدرة ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾١ [النساء: ١٤٩]، واقترانُ العلم بالحلم ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٢]. وحَمَلةُ العرش أربعةٌ: اثنان يقولان سبحانك اللهمّ وبحمدك، لك الحمدُ على حلمك بعد علمك. واثنان يقولان: سبحانك اللهمّ وبحمدك، لك الحمدُ على عفوك بعد قدرتك٢. فما كلُّ من قدَر عفا، ولا كلُّ من عفا يعفو عن قدرةٍ؛ ولا كلُّ من علِمَ يكون حليمًا، ولا كلُّ حليمٍ عالمٌ. فما قُرِن شيءٌ إلى شيءٍ أزينَ من حلمٍ إلى علمٍ، ومن عفوٍ إلى قدرةٍ، ومن مُلكٍ إلى حمدٍ، ومن عزَّةٍ إلى رحمةٍ ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ٩].

ومن هاهنا كان قول المسيح ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] أحسنَ من أن يقول: وإن تغفر لهم فإنّك أنت الغفور الرّحيم. أي إن غفرتَ لهم كان مصدرُ مغفرتك عن عزّةٍ وهي كمالُ القدرة، وعن حكمةٍ وهي كمالُ العلم. فمَن غفَر عن عجزٍ وجهلٍ بجرم الجاني، فأنت لا تغفر إلّا عن قدرةٍ تامّةٍ، وعلمٍ تامٍّ، وحكمةٍ تضع بها الأشياء مواضعها. فهذا أحسن من ذكر الغفور الرّحيم في هذا

  1. (١) في الأصل وغيره: "وكان الله عفوًّا قديرًا"، وهو سهو وقع في منزلة الأدب (٣/ ١٤٧) أيضًا.
  2. (٢) نقله المؤلف في منزلة الأدب (٣/ ١٤٧) أيضًا وقال: "وفي بعض الآثار: حملة العرش أربعة ... "، وهكذا نقله في "بدائع الفوائد" (١/ ١٤٠)، و"عدة الصابرين" (ص ٥٣٣)، و"الروح" (ص ٦٧٩). والوارد في الأثر المذكور: "حملة العرش ثمانية: أربعة ... وأربعة ... ". وقد أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣/ ٣٤٢)، وابن أبي شيبة في "كتاب العرش" (٢٤) عن شهر بن حوشب؛ وأبو نعيم في "الحلية" (٦/ ٧٤) عن حسان بن عطية. وقال الذهبي في "العلو" (١٤٩): "إسناده قوي".
55

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي