والخوف ــ يدلُّ على أنّ ابتغاء الوسيلة أمرٌ زائدٌ على رجاء الرّحمة وخوف العذاب.
ومن المعلوم قطعًا أنه لا يُنافَس إلّا في قرب من يحبُّ قربه، وحبُّ قربِه تبعٌ لمحبّة ذاته، بل محبّةُ ذاته أوجبتْ١ محبّةَ القرب منه. وعند الجهميّة والمعطِّلة: ما من ذلك كلِّه شيءٌ، فإنّه عندهم لا يقرُب ذاته من شيءٍ، ولا يقرب من ذاته شيءٌ، ولا يُحَبُّ لذاته ولا يُحِبُّ.
فأنكروا حياة القلوب٢، ونعيم الأرواح، وبهجة النُّفوس، وقرّة العيون، وأعلى نعيم الدُّنيا والآخرة. ولذلك ضُرِبت قلوبهم بالقسوة، وضرِبَ دونَهم ودون الله حجابٌ على معرفته ومحبّته، فلا يعرفونه ولا يحبُّونه، ولا يذكرونه إلّا عند تعطيل أسمائه وصفاته، فذِكرهم أعظمُ آثامهم وأوزارهم. بل يعاقبون من يذكره بأسمائه وصفاته ونعوت جلاله، ويرمونهم بالأدواء التي هم أحقُّ بها وأهلها. وحَسْبُ ذي البصيرة وحياة القلب ما يرى على كلامهم من القسوة والمقت، والتّنفير عن محبّة الله ومعرفته وتوحيده. والله المستعان.
وهذه الإرادة لوجهه موجبةٌ للذّة النّظر إليه في الآخرة، كما في «صحيحي» الحاكم وابن حبّان١ في الحديث المرفوع عن٢ النّبيِّ ﷺ أنّه كان يدعو: «اللهمّ بعلمِك الغيبَ، وقدرتِك على الخلق: أحْيِني إذا كانت الحياة خيرًا لي، وتَوفَّني إذا كانت الوفاة خيرًا لي. وأسألك خشيتَك في الغيب والشّهادة، وأسألك كلمةَ الحقِّ في الغضب والرِّضا، وأسألك القصْدَ في الفقر والغنى، وأسألك نعيمًا لا ينفَدُ، وأسألك قرّةَ عينٍ لا تنقطع، وأسألك الرِّضا بعد القضاء، وبرْدَ العيش بعد الموت، وأسألك لذّةَ النّظرِ إلى وجهك، وأسألك الشّوقَ إلى لقائك، في غير ضَرّاءَ مُضِرّةٍ ولا فتنةٍ مُضلّةٍ. اللهمّ زَيِّنّا بزينة الإيمان، واجعلْنا هُداةً مهتدين».
فقد اشتمل هذا الحديث الشّريف على ثبوت لذّة النّظر إلى وجه الله، وعلى ثبوت الشّوق إلى لقائه. وعند الجهميّة لا وجهَ له سبحانه، ولا ينظر
(١) ابن حبان (١٩٧١)، و«مستدرك الحاكم» (١/ ٥٢٤) من حديث عمار بن ياسر ﵁. وأخرجه أيضًا أحمد (١٨٣٢٥) والنسائي (١٣٠٥، ١٣٠٦). وهو حديث صحيح.