وهذه الإرادة لوجهه موجبةٌ للذّة النّظر إليه في الآخرة، كما في «صحيحي» الحاكم وابن حبّان١ في الحديث المرفوع عن٢ النّبيِّ ﷺ أنّه كان يدعو: «اللهمّ بعلمِك الغيبَ، وقدرتِك على الخلق: أحْيِني إذا كانت الحياة خيرًا لي، وتَوفَّني إذا كانت الوفاة خيرًا لي. وأسألك خشيتَك في الغيب والشّهادة، وأسألك كلمةَ الحقِّ في الغضب والرِّضا، وأسألك القصْدَ في الفقر والغنى، وأسألك نعيمًا لا ينفَدُ، وأسألك قرّةَ عينٍ لا تنقطع، وأسألك الرِّضا بعد القضاء، وبرْدَ العيش بعد الموت، وأسألك لذّةَ النّظرِ إلى وجهك، وأسألك الشّوقَ إلى لقائك، في غير ضَرّاءَ مُضِرّةٍ ولا فتنةٍ مُضلّةٍ. اللهمّ زَيِّنّا بزينة الإيمان، واجعلْنا هُداةً مهتدين».
فقد اشتمل هذا الحديث الشّريف على ثبوت لذّة النّظر إلى وجه الله، وعلى ثبوت الشّوق إلى لقائه. وعند الجهميّة لا وجهَ له سبحانه، ولا ينظر
(١) ابن حبان (١٩٧١)، و«مستدرك الحاكم» (١/ ٥٢٤) من حديث عمار بن ياسر ﵁. وأخرجه أيضًا أحمد (١٨٣٢٥) والنسائي (١٣٠٥، ١٣٠٦). وهو حديث صحيح.
(٢) ل: «إلى».
إليه، فضلًا أن يحصل به لذّةٌ. كما سمع بعضهم داعٍ١ يدعو بهذا الدُّعاء فقال: ويحك! هَبْ أنّ له وجهًا، أفتَلَذُّ٢ بالنّظر إليه؟٣.
وفي «الصحيحين»٤ عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاثٌ من كنّ فيه وجدَ بهنّ حلاوة الإيمان: أن يكون٥ الله ورسوله أحبَّ إليه ممّا سواهما، وأن يحبَّ المرءَ لا يحبُّه إلّا لله، وأن يكرهَ أن يعود في الكفر بعدَ٦ أن أنقذَه الله منه كما يكره أن يُقذَف في النّار».
وفي «صحيح البخاريِّ»٧ عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يقول الله تعالى: مَن عادى لي وليًّا فقد آذنتُه بالحرب. وما تقرَّبَ إليّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليّ من أداءِ ما افترضتُ عليه. ولا يزال عبدي يتقرَّبُ إليَّ بالنّوافل حتّى أُحبَّه. فإذا أحببتُه كنتُ سمْعَه الذي يسمع به، وبصَرَه الذي يبصر به، ويدَه التي يبطشُ بها، ورجلَه التي يمشي بها. وإن سألني لأُعطِينَّه، وإن استعاذني لأُعِيذنَّه».
(١) كذا في النسخ مرفوعًا.
(٢) فعل مضارع من لذَّ الشيءَ وبالشيء: وجده لذيذًا. وفي بعض المصادر: «أفتلتذ»، و«أفتتلذذ» و«يتلذذ».
(٣) هذا يُروى عن أبي الوفاء ابن عقيل. انظر: «الاستقامة» (٢/ ٩٨)، و«النبوات» (١/ ٣٤٢)، و«مجموع الفتاوى» (٨/ ٣٥٥، ١٠/ ٦٩٥)، و«منهاج السنة» (٥/ ٣٩٢).