مدارج السالكين

والقرآن والسُّنّة مملوءان بذكرِ من يحبُّه سبحانه من عباده، وذكرِ ما يحبُّه من أعمالهم وأقوالهم وأخلاقهم. كقوله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦]، ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ﴾ [الصف: ٤]، ﴿مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ﴾ [التوبة: ٤].

وقوله في ضدِّ ذلك: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]، ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد: ٢٣]، ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ٥٧]، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦].

وكم في السُّنّة أحبُّ الأعمال إلى الله كذا، وإنّ الله يحبُّ كذا. كقوله: «أحبُّ الأعمال إلى الله: الصّلاة على وقتها، ثمّ برُّ الوالدين، ثمّ الجهاد في سبيل الله»١. و«أحبُّ الأعمال إلى الله: الإيمان بالله، ثمّ الجهاد في سبيل الله، ثمّ حجٌّ مبرورٌ»٢. و«أحبُّ العمل إلى الله: ما داوم عليه صاحبه»٣. و«إنّ الله يحبُّ أن يُؤخَذ برخَصِه»٤. وأضعاف أضعاف ذلك. وفرحُه العظيم

  1. (١) أخرجه البخاري (٥٢٧، ٥٩٧٠)، ومسلم (٨٥) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.
  2. (٢) أخرجه البخاري (٢٦)، ومسلم (٨٣) من حديث أبي هريرة ﵁.
  3. (٣) أخرجه البخاري (٥٨٦١)، ومسلم (٧٨٢) من حديث عائشة ﵂.
  4. (٤) أخرجه أحمد (٥٨٦٦، ٨٥٧٣)، وابن خزيمة (٩٥٠، ٢٠٢٧)، وابن حبان (٢٧٤٢، ٣٥٦٨) من حديث ابن عمر ﵄ بلفظ: «إن الله يحب أن تُؤتى رخصه»، وإسناده صحيح.
393

بتوبة عبده الذي هو أشدُّ فرحٍ يعلمه العباد هو من محبّته للتّوبة وللتّائب.

فلو بطلت مسألة «المحبّة» لبطلتْ جميع مقامات الإيمان والإحسان، ولتعطَّلتْ منازلُ السّير، فإنّها روح كلِّ مقامٍ ومنزلةٍ وعملٍ، فإذا خلا منها فهو ميِّتٌ لا روحَ فيه. ونسبتها إلى الأعمال كنسبة الإخلاص إليها، بل هي حقيقة الإخلاص، بل هي نفس الإسلام، فإنّه الاستسلام بالذُّلِّ والحبِّ والطّاعة لله، فمن لا محبّةَ له لا إسلامَ له البتّةَ. بل هي حقيقة شهادة أن لا إله إلّا الله، فإنّ الإله هو الذي تَألَهُه العباد حبًّا وذلًّا، وخوفًا ورجاءً، وتعظيمًا وطاعةً، «إله» بمعنى مألوهٍ، وهو الذي تألهه القلوب، أي تُحبُّه وتَذِلُّ له. وأصل التّألُّه التّعبُّد، والتّعبد آخر مراتب الحبِّ. يقال: عبَّدَه الحبُّ وتَيَّمَه: إذا ملكه وذَلَّلَه لمحبوبه.

«فالمحبّة» حقيقة العبوديّة. وهل يمكن الإنابة بدون المحبّة والرِّضا، والحمد والشُّكر، أو الخوف والرّجاء؟ وهل الصّبر في الحقيقة إلّا صبر المحبِّين؟ فإنّهم إنّما يتوكَّلون على المحبوب في حصول مَحابِّه ومَراضيه.

وكذلك «الزُّهد» في الحقيقة هو زهد المحبِّين، فإنّهم يَزهَدون في محبّة ما سواه لمحبّته.

وكذلك «الحياء» في الحقيقة إنّما هو حياء المحبِّين، فإنّه يتولَّد من بين الحبِّ والتّعظيم. وأمّا ما لا يكون عن محبّةٍ فذاك خوفٌ محضٌ.

وكذلك مقام «الفقر» فإنّه في الحقيقة فقر الأرواح إلى محبوبها، وهو أعلى أنواع الفقر. فإنّه لا فقرَ أتمُّ من فقر القلب إلى من يحبُّه، لا سيّما إذا وحَّده١ في

  1. (١) ش، د: «وجده». والمثبت من ل.
394

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي