مدارج السالكين

الحبِّ، ولم يجد منه عوضًا سواه. وهذا حقيقة الفقر عند العارفين.

وكذلك «الغنى» هو غنى القلب بحصول محبوبه. وكذلك «الشّوق» إلى الله تعالى ولقائه، فإنّه لبُّ المحبّة وسرُّها. كما سيأتي.

فمنكرُ هذه المسألة ومُعطِّلها من القلوب معطِّلٌ لذلك كلِّه، وحجابه أكثفُ الحجب، وقلبه أقسى القلوب وأبعدُها عن الله. وهو منكرٌ لخلّة إبراهيم ﵇. فإنّ١ الخلّة كمال المحبّة، وهو يتأوّلُ الخليل بالمحتاج، فخليل الله عنده٢ هو المحتاج. فكم ــ على قوله ــ لله من خليلٍ برٍّ وفاجرٍ، بل مؤمنٍ وكافرٍ، إذ كثيرٌ من الكفّار من يُنزِل حوائجَه كلّها بالله صغيرَها وكبيرَها، ويرى نفسه أحوجَ شيءٍ إلى ربِّه في كلِّ حالةٍ.

فلا بالخلّة أقرَّ المنكرون، ولا بالعبوديّة، ولا بتوحيد الإلهيّة، ولا بحقائق الإسلام والإيمان والإحسان. ولهذا ضحّى خالد بن عبد الله القَسْريُّ بمقدَّم هؤلاء وشيخهم جَعْد بن درهمٍ، وقال في يوم العيد الأكبر، عقيب خطبته: أيُّها النّاس، ضَحُّوا، تقبَّلَ الله ضحاياكم، فإنِّي مُضحٍّ بالجعد بن درهمٍ، إنّه زعم أنّ الله لم يتّخذ إبراهيم خليلًا، ولم يكلِّم موسى تكليمًا. تعالى الله عمّا يقول الجعد علوًّا كبيرًا. ثمّ نزل فذبحه٣، فشكر المسلمون سعيه. رحمه الله تعالى وتقبّل منه.

  1. (١) ل: «فإنه».
  2. (٢) ل: «عبده».
  3. (٣) أخرج هذه القصة البخاري في «خلق أفعال العباد» (ص ٢٩، ٣٠)، وغيره.
395

فصل

في مراتب المحبّة

وهي عشر١:

أوّلها: العَلاقة، وسمِّيت عَلاقةً لتعلُّق القلب بالمحبوب. قال الشّاعر٢:

أعَلاقةً أمّ الوُلَيِّدِ٣ بعدَ ماأفنانُ رأسِكَ كالثَّغَامِ المُخْلِس

الثّانية٤: الإرادة، وهي ميل القلب إلى محبوبه وطلبه له.

الثّالثة: الصَّبابة، وهي انصباب القلب إليه بحيثُ لا يملكه صاحبه، كانصباب الماء في الحدور. واسم الصِّفة منها صَبٌّ، والفعل صَبَا إليه يصبو صِبًا وصَبابةً٥، فعاقَبوا بين المضاعف والمعتلِّ، وجعلوا الفعل من المعتلِّ والصِّفة من المضاعف. ويقال: صِبًا وصَبوةً وصَبابةً. فالصِّبا: أصل الميل، والصَّبوة: فوقه، والصَّبابة: الميل اللّازم وانصبابُ القلب بكلِّيّته.

  1. (١) انظر الكلام على أسماء المحبة ومراتبها عند المؤلف في «روضة المحبين» (ص ٢٥ وما بعدها). وفي «فقه اللغة» للثعالبي (ص ١٨٨ - ١٨٩) فصل في ترتيب الحب وتفصيله.
  2. (٢) البيت للمرار بن سعيد الفقعسي في «شعره» (ص ٤٦١). وانظر مزيد التخريج في تعليقي على «روضة المحبين» (ص ٣٦).
  3. (٣) ش، د: «الوليدة».
  4. (٤) ش، ل: «الثاني».
  5. (٥) كذا في النسخ، وهو مصدر «صَبَّ» المضعف.
396

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي