أحدها: أنّه الحبُّ المستولي على القلب، بحيث يَحجُبه عن غيره. قال الكلبيُّ١: حجبَ حبُّه قلبَها حتّى لا تعقل سواه.
الثّاني: أنه الحبُّ الواصل إلى داخل القلب. قال صاحب هذا القول: المعنى أحبَّتْه حتّى دخل حبُّه شَغافَ قلبها، أي داخِلَه.
الثّالث: أنّه الحبُّ الواصل إلى غِشاء القلب. والشَّغاف غشاء القلب، إذا وصل الحبُّ إليه باشر القلب. قال السُّدِّيُّ ﵀٢: الشَّغاف جلدةٌ رقيقةٌ على القلب، يقول: دخله الحبُّ حتّى أصاب القلبَ.
وقرأ بعض السّلف٣: «شعفها» بالعين المهملة. ومعناه: ذهب الحبُّ بها كلَّ مذهبٍ، وبلغ بها٤ أعلى مراتبه، ومنه: شَعَفُ الجبال، لرؤوسها.
السّابعة: العشق، وهو الحبُّ المفرط الذي يُخاف٥ على صاحبه منه. وعليه تأوّل إبراهيم ومحمّد بن عبد الوهّاب: ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾[البقرة: ٢٨٦] قال محمّدٌ: هو العشق٦.
(١) كما في «تفسير البغوي».
(٢) المصدر نفسه.
(٣) الشعبي والأعرج كما في «تفسير البغوي» (٢/ ٤٢٢)، وعبد الله بن عمرو وعلي بن الحسين والحسن البصري ومجاهد وابن محيصن وابن أبي عبلة كما في «زاد المسير» (٤/ ٢١٥).
ورُفع إلى ابن عبّاسٍ ﵄ شابٌّ وهو بعرفةَ قد صار كالخِلال، فقال: ما به؟ قالوا: العشق. فجعل ابن عبّاسٍ ﵄ عامّةَ دعائه بعرفة١ الاستعاذةَ من العشق٢.
وفي اشتقاقه قولان:
أحدهما: أنّه من العَشَقة، وهي نبتٌ أصفر٣ يلتوي على الشّجر، فشُبِّه به العاشق.
والثّاني: أنّه من الإفراط.
وعلى القولين فلا يوصف به الرّبُّ تعالى، ولا العبدُ في محبّة ربِّه، وإن أطلقه سكرانُ من المحبّة قد أفناه الحبُّ عن تمييزه، كان في خَفارة صدقِه ومحبّته.
الثّامنة: التّتيُّم، وهو التّعبُّد والتّذلُّل. يقال: تَيَّمه الحبُّ أي ذلَّلَه وعبَّده، وتَيمُ الله: عبد الله. وبينه وبين اليُتْم ــ الذي هو الانفراد ــ تَلاقٍ في الاشتقاق الأوسط، وتناسبٌ في المعنى، فإنّ٤ المتيَّم منفردٌ بحبِّه وشَجْوه، كانفراد اليتيم بنفسه عن أبيه، وكلٌّ منهما مكسورٌ ذليلٌ. هذا كَسْرُه يُتْمٌ، وهذا كسره تتيُّمٌ.
(١) «بعرفة» ليست في ش، د.
(٢) أخرجه الخرائطي في «اعتلال القلوب» (ص ٣٢٢)، والسراج في «مصارع العشاق» (٢/ ٢١٧)، وابن الجوزي في «ذم الهوى» (ص ٣٧٣)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٣٧/ ٢١ - ٢٢، ٢٩/ ١٧٩).