مدارج السالكين

الموضع، الدّالِّ ذكرُه على التّعريض بطلب المغفرة في غير حينها، وقد فاتت. فإنّه لو قال: وإن تغفر لهم فإنّك أنت الغفور١ الرّحيم، كان في هذا من الاستعطاف والتّعريض بطلب المغفرة لمن لا يستحقُّها ما ينزَّه عنه منصبُ المسيح، لا سيّما والموقف موقف عظمةٍ وجلالةٍ، وموقف انتقامٍ ممّن جعل لله ولدًا، واتّخذه إلهًا من دونه. فذكرُ العزّة والحكمة فيه أليقُ من ذكر المغفرة والرّحمة٢.

وهذا بخلاف قول الخليل صلوات الله وسلامه على نبينا وعليه: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ ٣٥ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٥ - ٣٦]. ولم يقل: فإنّك عزيزٌ حكيمٌ، لأنّ المقام مقام استعطافٍ وتعريضٍ بالدُّعاء، أي إن تغفر له وترحمه بأن توفِّقه للرُّجوع من الشِّرك إلى التّوحيد، ومن المعصية إلى الطّاعة، كما في الحديث: "اللهمّ اغفر لقومي فإنّهم لا يعلمون"٣.

وفي هذا أظهر الدِّلالة على أنّ أسماء الرَّبِّ تعالى مشتقّةٌ من أوصافٍ ومعانٍ قامت به، وأنَّ كلَّ اسمٍ يناسب ما ذُكِر معه واقترَن به من فعله وأمره. والله الموفِّق للصّواب.

  1. (١) انتهى السقط في ل.
  2. (٢) سيأتي الكلام على هذه الآية بتفصيل أكثر في منزلة الأدب (٢/ ١٤٦). وانظر: "مفتاح دار السعادة" (٢/ ١١٣٣ - ١١٣٤) و"الرُّوح" (٢/ ٦٨٠).
  3. (٣) أخرجه البخاري (٣٤٧٧)، ومسلم (١٧٩٢) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.
56

فصل

في مراتب الهداية الخاصّة والعامّة

وهي عشر مراتب:

المرتبة الأولى: مرتبة تكليم الله تعالى لعبده يقظةً بلا واسطةٍ، بل منه إليه. وهذه أعلى مراتبها، كما كلَّم موسى بن عمران صلوات الله وسلامه على نبيِّنا وعليه. قال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]. فذكر في أوّل الآية وحيه إلى نوحٍ والنّبيِّين من بعده، ثمّ خصَّ موسى من بينهم بالإخبار بأنّه كلَّمه. وهذا يدلُّ على أنَّ التّكليم الذي حصل له أخصُّ من مطلق الوحي الذي ذُكِر في أوّل الآية. ثمّ أكَّده بالمصدر الحقيقيِّ الذي هو مصدر كلَّمَ ــ وهو التّكليم ــ رفعًا لما توهَّمه المعطِّلة والجهميّة والمعتزلة وغيرهم من أنّه إلهامٌ أو إشارةٌ أو تعريفٌ للمعنى النَّفسيِّ بشيءٍ غير التّكليم، فأكَّده بالمصدر المفيد تحقيقَ النِّسبة ورفعَ توهُّم المجاز١. قال الفرّاء: العرب تُسمِّي ما يُوصَل إلى الإنسان كلامًا بأيِّ طريقٍ وصل، ولكن لا تحقِّقه بالمصدر، فإذا حُقِّقَ بالمصدر لم يكن إلّا حقيقة الكلام، كالإرادة، يقال: فلانٌ أراد إرادةً، يريدون حقيقة الإرادة. ويقال: أراد الجدار، ولا يقال: إرادةً، لأنّه مجازٌ غير حقيقةٍ٢. هذا كلامه.

  1. (١) وانظر: "الصواعق المرسلة" (١/ ٣٨٩)، و"بدائع الفوائد" (٢/ ٥١٢). وانظر ما سيأتي في فصل درجات المعرفة (٤/ ٣٠٦).
  2. (٢) نقله البغوي في "تفسيره" (٢/ ٣١٢) وعنه صدر المؤلف. وانظر: "تفسير السمعاني" (١/ ٥٠٣).
57

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي