مدارج السالكين

ألم تَرَ آثارَ القطيعةِ قد بَدَتْ ... على حالِه فارحَمْه إن كنت رائيَا ... خَفافيش أعشاها النّهارُ بضوئِه ... ولاءَمَها١ قِطْعٌ من اللّيلِ باديا ... فجالتْ وصالتْ فيه حتّى إذا سَنَا النْـ ... ـنَهارِ بدا٢ اسْتَخْفَتْ وأَعطَتْ تَواريا ... إذا ظلمةُ اللّيل انجلَتْ بضيائها ... يعودُ لعينيه ظلامًا٣ كما هِيا

فيا محنةَ الحسناءِ تُهدَى إلى امرئٍضَريرٍ وعِنِّينٍ من الوجدِ خاليا
فضَنَّ٤ بها إن كنتَ تعرِفُ قدْرَهاإلى أن ترى كُفْؤًا أتاك مُوافيا
فما مهرها شيءٌ سوى الرُّوح أيُّها الْـجَبانُ تَأخَّرْ لستَ كُفْؤًا مُساويا
فكن أبدًا حيثُ استقلَّتْ ركائبُ الْمحبّةِ في ظهر العزائمِ ساريا
وأدلِجْ ولا تَخْشَ الظّلامَ فإنّهسيكفيكَ وجهُ الحبِّ في اللّيل هاديا
وسُقْها٥ بذكراه مَطاياك إنّهسَيكفي المطايا طِيبُ ذكراه حاديا
وعِدْها بروحِ الوصل تُعْطِك سَيْرَهاكما شئتَ واستبقِ العظامَ البواليا
وأَقدِمْ فإمّا مُنْيةٌ أو مَنِيَّةٌتُرِيحُك من عيشٍ به لستَ راضيا
فما ثَمَّ إلّا الوصلُ أو تَلَفٌ بهموحَسْبُك فوزًا ذاك إن كنتَ واعيا
أما سَئِمتْ من عيشِها نفسُ والهٍتَبيتُ بنار البعد تَلْقى المكاويا
أمَا موتُه فيهم حياةٌ، وذُلُّههو العزُّ، والتّوفيق، ما زال غاليا
أما يَستحي مَن يدَّعي الحبَّ باخلًابما لحبيبٍ عنه يَدْعوه ذَا ليا
  1. (١) في هامش ش: «ولازمها» (أو) «وإذ يمَّها» برمز ظ.
  2. (٢) ل: «حتى إذا بدا النهار لها». والمثبت من ش، د.
  3. (٣) بهامش ش: «الظلامُ» برمز ظ.
  4. (٤) ش: «فطن». والتصويب من هامشها. وضبطها بضم الضاد، والصواب فتحها، فهو فعل أمر من باب فرح.
  5. (٥) بهامش ش: «وسَوقًا».
403
أما تلك دعوى كاذبٍ ليس حظُّهمن الحبِّ إلّا قولَه والأمانيا
أمَا أنفُسُ العشّاقِ مِلْكٌ لغيرهمبإجماع أهلِ الحبِّ ما زالَ فاشيا
أما سمعَ العشّاقُ قولَ حبيبةٍلِصَبٍّ بها وَافى من الحبِّ شاكيا
«ولمّا شَكوتُ الحبَّ قالت كَذَبْتَنيألستُ أرى الأعضاءَ منك كَواسِيا
فلا حُبَّ حتّى يَلْصَقَ القلبُ بالحَشَاوتَخْرَسَ حتّى لا تُجِيبَ مناديا١
وتَنْحُلَ حتّى لا يُبَقِّي لك الهوىسوى مُقْلةٍ تَبكِي بها وتُناجِيا»

فصل

قال صاحب «المنازل» ﵀٢: (المحبّة: تعلُّق القلب بين الهِمّة والأُنس).

يعني: تعلُّق القلب بالمحبوب تعلُّقًا مقترنًا بهمّة المحبِّ وأُنسِه بالمحبوب، في حالتَي بذْلِه ومنْعِه، وإفرادُه بذلك التّعلُّق بحيثُ لا يكون لغيره فيه نصيبٌ.

وإنّما أشار إلى أنّها بين الهمّة والأنس لأنّ الهمّة لمّا كانت هي نهاية شدّة الطّلب، وكان المحبُّ شديد الرّغبة والطّلب، كانت الهمّة من مُقوِّمات حبِّه وجملةِ صفاته. ولمّا كان الطّلب بالهمّة قد يَعرى٣ عن الأنس، وكان المحبُّ لا يكون إلّا مستأنسًا بجمال محبوبه، وطمعه بالوصول إليه، فمن هذين يتولَّدُ الأنس= وجب أن يكون المحبُّ موصوفًا بالأنس، فصارت المحبّة قائمةً بين الهمّة والأنس.

  1. (١) ل: «المناديا».
  2. (٢) (ص ٧١).
  3. (٣) ل: «تعرى».
404

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي