مدارج السالكين
أما تلك دعوى كاذبٍ ليس حظُّهمن الحبِّ إلّا قولَه والأمانيا
أمَا أنفُسُ العشّاقِ مِلْكٌ لغيرهمبإجماع أهلِ الحبِّ ما زالَ فاشيا
أما سمعَ العشّاقُ قولَ حبيبةٍلِصَبٍّ بها وَافى من الحبِّ شاكيا
«ولمّا شَكوتُ الحبَّ قالت كَذَبْتَنيألستُ أرى الأعضاءَ منك كَواسِيا
فلا حُبَّ حتّى يَلْصَقَ القلبُ بالحَشَاوتَخْرَسَ حتّى لا تُجِيبَ مناديا١
وتَنْحُلَ حتّى لا يُبَقِّي لك الهوىسوى مُقْلةٍ تَبكِي بها وتُناجِيا»

فصل

قال صاحب «المنازل» ﵀٢: (المحبّة: تعلُّق القلب بين الهِمّة والأُنس).

يعني: تعلُّق القلب بالمحبوب تعلُّقًا مقترنًا بهمّة المحبِّ وأُنسِه بالمحبوب، في حالتَي بذْلِه ومنْعِه، وإفرادُه بذلك التّعلُّق بحيثُ لا يكون لغيره فيه نصيبٌ.

وإنّما أشار إلى أنّها بين الهمّة والأنس لأنّ الهمّة لمّا كانت هي نهاية شدّة الطّلب، وكان المحبُّ شديد الرّغبة والطّلب، كانت الهمّة من مُقوِّمات حبِّه وجملةِ صفاته. ولمّا كان الطّلب بالهمّة قد يَعرى٣ عن الأنس، وكان المحبُّ لا يكون إلّا مستأنسًا بجمال محبوبه، وطمعه بالوصول إليه، فمن هذين يتولَّدُ الأنس= وجب أن يكون المحبُّ موصوفًا بالأنس، فصارت المحبّة قائمةً بين الهمّة والأنس.

  1. (١) ل: «المناديا».
  2. (٢) (ص ٧١).
  3. (٣) ل: «تعرى».
404

ويريد بالبذل والمنع أحد أمرين: إمّا بذل الرُّوح والنّفس لمحبوبه، ومنعها عن غيره، فيكون البذل والمنع صفة المحبِّ. وإمّا بذل الحبيب ومنعه، فتتعلّق همّةُ المحبِّ به في حالتَيْ بذلِه ومنعِه.

ويريد بالإفراد معنيين: إمّا إفراد المحبوب وتوحيده بذلك التّعلُّق، وإمّا فناءه في محبّته، بحيث ينسى نفسه وصفاته في ذكر محاسن محبوبه، حتّى لا يبقى إلّا المحبوب وحده.

والمقصود: إفراد المحبِّ لمحبوبه بالتوجُّه والمحبّة.

فصل

قال١: (والمحبّة أوّلُ أودية الفناء، والعَقَبة التي ينحدرُ منها على منازل المَحْو. وهي آخرُ منزلٍ تلتقي٢ فيه مقدِّمةُ العامّة وساقَةُ الخاصّة).

إنّما كانت المحبّة أوّلَ أودية الفناء لأنّها تُفنِي خواطرَ المحبِّ عن التّعلُّقِ بالغير. وأوّلُ ما يَفنى من المحبِّ خواطرُه المتعلِّقة بِسِوى محبوبه، لأنّه إذا انجذبَ قلبه بكلِّيّته إلى محبوبه انجذبتْ خواطِرُه تبعًا.

ويريد بمنازل المحو مقاماته.

وأوّلها: مَحْو الأفعال في فعل الحقِّ تعالى، فلا يرى لنفسه ولا لغيره فعلًا.

الثّاني: مَحْو الصِّفات التي في العبد. فيراها عاريةً أُعِيرَها وهِبةً وُهِبَها، ليستدلّ بها على بارئه وفاطره، وعلى وحدانيّته وصفاته. فيعلم بواسطة

  1. (١) (ص ٧١).
  2. (٢) «المنازل»: «تلقى».
405

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي