مدارج السالكين

ويريد بالبذل والمنع أحد أمرين: إمّا بذل الرُّوح والنّفس لمحبوبه، ومنعها عن غيره، فيكون البذل والمنع صفة المحبِّ. وإمّا بذل الحبيب ومنعه، فتتعلّق همّةُ المحبِّ به في حالتَيْ بذلِه ومنعِه.

ويريد بالإفراد معنيين: إمّا إفراد المحبوب وتوحيده بذلك التّعلُّق، وإمّا فناءه في محبّته، بحيث ينسى نفسه وصفاته في ذكر محاسن محبوبه، حتّى لا يبقى إلّا المحبوب وحده.

والمقصود: إفراد المحبِّ لمحبوبه بالتوجُّه والمحبّة.

فصل

قال١: (والمحبّة أوّلُ أودية الفناء، والعَقَبة التي ينحدرُ منها على منازل المَحْو. وهي آخرُ منزلٍ تلتقي٢ فيه مقدِّمةُ العامّة وساقَةُ الخاصّة).

إنّما كانت المحبّة أوّلَ أودية الفناء لأنّها تُفنِي خواطرَ المحبِّ عن التّعلُّقِ بالغير. وأوّلُ ما يَفنى من المحبِّ خواطرُه المتعلِّقة بِسِوى محبوبه، لأنّه إذا انجذبَ قلبه بكلِّيّته إلى محبوبه انجذبتْ خواطِرُه تبعًا.

ويريد بمنازل المحو مقاماته.

وأوّلها: مَحْو الأفعال في فعل الحقِّ تعالى، فلا يرى لنفسه ولا لغيره فعلًا.

الثّاني: مَحْو الصِّفات التي في العبد. فيراها عاريةً أُعِيرَها وهِبةً وُهِبَها، ليستدلّ بها على بارئه وفاطره، وعلى وحدانيّته وصفاته. فيعلم بواسطة

  1. (١) (ص ٧١).
  2. (٢) «المنازل»: «تلقى».
405

حياته: معنى حياة ربِّه، وبواسطة علمه وقدرته وإرادته وسمعه وبصره وكلامه وغضبه ورضاه: معنى علم ربِّه وقدرته وإرادته وسمعه وبصره وكلامه وغضبه ورضاه. ولولا هذه الصِّفات فيه لما عرفها من ربِّه.

وهذا أحد التّأويلات في الأثر الإسرائيليِّ: اعرِفْ نفسَك تَعرِفْ ربَّك١.

وهذه الصِّفات في الحقيقة أثرُ الصِّفات الإلهيّة فيه، فإنّها أثر أفعال الحقِّ، وأفعالُه موجَب صفاتِه وأسمائه. فإذًا عاد الأمر كلُّه إلى أفعاله، وعادت أفعاله إلى صفاته.

ففي هذه المنزلة يمحو العبد شهودَ صفاته ووجودها الذي ليس بحقيقيٍّ، [ويُثبِت]٢ شهودَ صفات المعبود ووجودها الحقيقيِّ. فالله سبحانه منحَ عبدَه هذه الصِّفات ليعرفَه بها، ويستدلَّ بها عليه. فإن لم يفعلها٣ عطَّلَ عليه طريقَ المعرفة والاستدلال بها، فصارت بمنزلة العدم. ولهذا يُوصف الغافل عن الله بالصَّمَم والبَكَم والعمى والموت وعدم العقل.

الثّالث: محو الذّات. وهو شهود تفرُّد الحقِّ تعالى بالوجود أزلًا وأبدًا، وأنّه الأوّل الذي ليس قبله شيءٌ، والآخر الذي ليس بعده شيءٌ، ووجود كلِّ ما سواه قائمٌ به وأثرُ صنعِه، فوجوده هو الوجود الواجب الحقُّ، الثّابت بنفسه٤ أزلًا وأبدًا، وأنّه المنفرِد بذلك.

  1. (١) تقدم تخريجه (٢/ ٤٦) والكلام على هذه التأويلات.
  2. (٢) ليست في ش، د، ل. وبها يستقيم المعنى.
  3. (٣) ل: «يعقلها».
  4. (٤) ل: «لنفسه».
406

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي