مدارج السالكين

حياته: معنى حياة ربِّه، وبواسطة علمه وقدرته وإرادته وسمعه وبصره وكلامه وغضبه ورضاه: معنى علم ربِّه وقدرته وإرادته وسمعه وبصره وكلامه وغضبه ورضاه. ولولا هذه الصِّفات فيه لما عرفها من ربِّه.

وهذا أحد التّأويلات في الأثر الإسرائيليِّ: اعرِفْ نفسَك تَعرِفْ ربَّك١.

وهذه الصِّفات في الحقيقة أثرُ الصِّفات الإلهيّة فيه، فإنّها أثر أفعال الحقِّ، وأفعالُه موجَب صفاتِه وأسمائه. فإذًا عاد الأمر كلُّه إلى أفعاله، وعادت أفعاله إلى صفاته.

ففي هذه المنزلة يمحو العبد شهودَ صفاته ووجودها الذي ليس بحقيقيٍّ، [ويُثبِت]٢ شهودَ صفات المعبود ووجودها الحقيقيِّ. فالله سبحانه منحَ عبدَه هذه الصِّفات ليعرفَه بها، ويستدلَّ بها عليه. فإن لم يفعلها٣ عطَّلَ عليه طريقَ المعرفة والاستدلال بها، فصارت بمنزلة العدم. ولهذا يُوصف الغافل عن الله بالصَّمَم والبَكَم والعمى والموت وعدم العقل.

الثّالث: محو الذّات. وهو شهود تفرُّد الحقِّ تعالى بالوجود أزلًا وأبدًا، وأنّه الأوّل الذي ليس قبله شيءٌ، والآخر الذي ليس بعده شيءٌ، ووجود كلِّ ما سواه قائمٌ به وأثرُ صنعِه، فوجوده هو الوجود الواجب الحقُّ، الثّابت بنفسه٤ أزلًا وأبدًا، وأنّه المنفرِد بذلك.

  1. (١) تقدم تخريجه (٢/ ٤٦) والكلام على هذه التأويلات.
  2. (٢) ليست في ش، د، ل. وبها يستقيم المعنى.
  3. (٣) ل: «يعقلها».
  4. (٤) ل: «لنفسه».
406

وهذا المحو يصحُّ باعتبارين:

أحدهما: باعتبار الوجود الذّاتيِّ. ولا ريبَ في إثبات محوه بهذا الاعتبار، إذ ليس مع الله موجودٌ بذاته سواه، وكلُّ ما سواه فوجودُه بإيجاده سبحانه.

الاعتبار الثّاني: المحو في الشهود. فلا يشهد فاعلًا غيرَ الحقِّ سبحانه، ولا صفاتٍ غيرَ صفاته، ولا موجودًا سواه، لغَيبتِه بكمال شهوده عن شهود غيره.

وأمّا محو ذلك من الوجود جملةً فهو محْوُ الزّنادقة وطائفة الاتِّحاديّة. وصاحب «المنازل» وكلُّ وليٍّ لله بريءٌ منهم حالًا وعقيدةً.

والمقصود أنَّ مِن عَقَبة المحبّة ينحدر المحبُّ على منازل المحو.

ولمّا كانت منازل المحو والفناء غايةً عند صاحب «المنازل» جعلَ المحبّة عقبةً ينحدر منها إليها.

وأمّا من جعل المحبّة غايةً فمنازلُ المحو عنده أوديةٌ يصعد منها إلى روح المحبّة. وليس بعد المحبّة الصّحيحة إلّا منازل البقاء، وأمّا الفناء والمحو فعِقَابٌ١ وأوديةٌ في طريقها عند هؤلاء. والله أعلم.

قوله: (وهي آخر منزلةٍ تلتقي فيه مقدِّمة العامّة وساقةُ الخاصّة).

هذا بناء على الأصل الذي ذكره، وهو أنّ المحبّة ينحدر منها على أودية الفناء فهي أوّل أودية٢ الفناء. فمقدّمةُ العامّة هم في آخر مقام المحبّة،

  1. (١) جمع عَقَبة.
  2. (٢) ل: «منزلة».
407

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي