وساقةُ الخاصّة في أوّل منزلة الفناء، ومنزلة الفناء متّصلةٌ بآخر منزلة المحبّة، فالتقَى١ حينئذٍ مقدِّمة العامّة بساقة الخاصّة. هذا شرح كلامه.
وعند الطّائفة الأخرى: الأمر بالعكس. وهو أنّ مقدِّمة أرباب الفناء يلتقون بساقةِ أربابِ المحبّة، فإنّهم أمامَهم في السّير، وهم أمام الرَّكْب دائمًا. وهذا بناءً على أنّ أهل البقاء في المحبّة أعلى شأنًا من أهل الفناء. وهو الصّواب. والله أعلم.
فصل
قال٢: (وما دونها: أغراضٌ لأعواضٍ).
يعني ما دون المحبّة من المقامات فهي٣ أغراضٌ من المخلوقين لأجل أعواضٍ ينالونها، وأمّا المحبُّون٤ فإنّهم عبيدٌ له٥. والعبد ونفسه وعمله ومنافعه مِلْكٌ لسيِّده، فكيف يعاوضه على ملكه؟ والأجير عند أخذ أجرِه ينصرف، والعبد في الباب لا ينصرف. فلا عبوديّةَ إلّا عبوديّةُ أهل٦ المحبّة الخالصة. أولئك الفائزون بشرف الدُّنيا والآخرة، وأولئك لهم الأمن وهم مهتدون.
(١) ل: «فالملتقى».
(٢) «المنازل» (ص ٧١).
(٣) د: «فهو».
(٤) ش: «المحبوب».
(٥) «له» ليست في ل.
(٦) «أهل» ليست في د.
فصل
قال١: (والمحبّة هي سِمَة الطّائفة، وعنوان الطّريقة، ومَعقِد النِّسبة).
يعني: سِمة هذه الطّائفة٢ المسافرين إلى ربِّهم، الذين ركبوا جناحَ السّفر إليه، ثمّ لم يفارقوه إلى حينِ اللِّقاء، وهم الذين قعدوا على الحقائق، وقعدَ من سواهم على الرُّسوم.
وعنوانُ طريقتهم أي دليلها، فإنّ العنوان يدلُّ على الكتاب، والمحبّة تدلُّ على صدق الطّالب، وأنّه من أهل الطّريق.
ومعقد النِّسبة أي النِّسبة التي بين الرّبِّ وبين٣ العبد، فإنّه لا نسبةَ بين الله وبين العبد إلّا محضُ العبوديّة من العبد والألوهية من الرّبِّ. وليس في العبد شيءٌ من الألوهية، ولا في الرّبِّ شيءٌ من العبوديّة. فالعبد عبد من كلِّ وجهٍ، والرّبُّ تعالى هو الإله الحقُّ من كلِّ وجهٍ. ومعقد نسبة العبوديّة هو المحبّة، فالعبوديّة معقودةٌ بها، بحيث متى انحلَّت المحبّة انحلَّت العبوديّة.
فصل
قال٤: (وهي على ثلاث درجاتٍ. الدّرجة الأولى: محبّةٌ تقطع الوساوسَ، وتَلَذُّ الخدمة٥، وتُسلِّي عن المصائب).