قال١: (والمحبّة هي سِمَة الطّائفة، وعنوان الطّريقة، ومَعقِد النِّسبة).
يعني: سِمة هذه الطّائفة٢ المسافرين إلى ربِّهم، الذين ركبوا جناحَ السّفر إليه، ثمّ لم يفارقوه إلى حينِ اللِّقاء، وهم الذين قعدوا على الحقائق، وقعدَ من سواهم على الرُّسوم.
وعنوانُ طريقتهم أي دليلها، فإنّ العنوان يدلُّ على الكتاب، والمحبّة تدلُّ على صدق الطّالب، وأنّه من أهل الطّريق.
ومعقد النِّسبة أي النِّسبة التي بين الرّبِّ وبين٣ العبد، فإنّه لا نسبةَ بين الله وبين العبد إلّا محضُ العبوديّة من العبد والألوهية من الرّبِّ. وليس في العبد شيءٌ من الألوهية، ولا في الرّبِّ شيءٌ من العبوديّة. فالعبد عبد من كلِّ وجهٍ، والرّبُّ تعالى هو الإله الحقُّ من كلِّ وجهٍ. ومعقد نسبة العبوديّة هو المحبّة، فالعبوديّة معقودةٌ بها، بحيث متى انحلَّت المحبّة انحلَّت العبوديّة.
فصل
قال٤: (وهي على ثلاث درجاتٍ. الدّرجة الأولى: محبّةٌ تقطع الوساوسَ، وتَلَذُّ الخدمة٥، وتُسلِّي عن المصائب).
(١) «المنازل» (ص ٧١).
(٢) «وعنوان الطريقة ... الطائفة» ساقطة من ش، د.
(٣) «بين» ليست في ش، د.
(٤) «المنازل» (ص ٧١).
(٥) أي تجد الخدمة لذيذة.
قوله: (تقطع الوساوس)، فإنّ الوسواس والمحبّة متناقضان، فإنّ المحبّة توجب استيلاء ذكر المحبوب على القلب، والوسواس١ يقتضي غيبته عنه، حتّى توسوس له نفسه بغيره. فبين المحبّة والوسواس تناقضٌ شديدٌ، كما بين الذِّكر والغفلة.
فعزيمةُ المحبّة تنفي تردُّدَ القلب بين المحبوب وغيره، وذلك سبب الوسواس، وهيهاتَ أن يجد المحبُّ الصّادق فراغًا لوسواسٍ، لاستغراق قلبه في حضوره بين يدي محبوبه. وهل الوسواس إلّا لأهل الغفلة والإعراض؟
لا كان مَن لسواك فيه بقيّةٌفيها يُقسِّم فِكْرَه ويُوسوِسُ٢
قوله: (وتَلَذُّ الخدمةَ)، أي المحبُّ يلتذُّ بخدمة محبوبه، فيرتفع عن رؤية التَّعب الذي يراه الخَلِيُّ في أثناء الخدمة. وهذا معلومٌ بالمشاهدة.
قوله: (وتُسلِّي عن المصائب)، فإنّ المحبّ يجد في لذّة المحبّة ما يُنسِيه المصائبَ، ولا يجد من مَسِّها ما يجد غيره، حتّى كأنّه قد اكتسى طبيعةً ثانيةً ليست بطبيعة٣ الخلق. بل يقوى سلطانُ المحبّة، حتّى يلتذّ بكثيرٍ من المصائب أعظمَ من التذاذِ الخَلِيِّ بحظوظه وشهواتِه. والذّوق والوجود شاهدٌ بذلك.
(١) ش: «والوساوس».
(٢) البيت بعجز مختلف فيما مضى (ص ٣٨٨)، وسيأتي بقافية أخرى (٤/ ١٨١) وأنشده المؤلف في «طريق الهجرتين» (٢/ ٥٠٣، ٦٣٨)، و«الفوائد» (ص ٨٩).