مدارج السالكين

فصل

قال١: (وهي محبّةٌ تَنبُتُ من مطالعة المِنَّة. وتَثبُت باتِّباع السُّنّة، وتَنمُو على الإجابة بالفاقة)٢.

قوله: (تنبت من مطالعة المنّة)٣، أي تنشأ من مطالعة العبدِ منَّةَ الله عليه، ونِعمَه الباطنةَ والظّاهرة، فبقدر مطالعته ذلك تكون قوّة محبته. فإنّ القلوب مجبولةٌ على حبِّ من أحسنَ إليها، وبُغضِ من أساء إليها. وليس للعبد قطُّ إحسانٌ إلّا من الله، ولا إساءةٌ إلّا من الشّيطان.

ومن أعظم مطالعة منّة الله على عبده: منَّةُ تأهيلِه لمحبّته ومعرفته، وإرادةِ وجهه، ومتابعةِ حبيبه. وأصلُ هذا نورٌ يَقذِفه الله في قلب العبد، فإذا دارَ ذلك النُّورُ في قلبِ العبد وذاتِه أشرقَتْ له ذاتُه، فرأى فيه نفسَه، وما أُهِّلتْ له من الكمالات والمحاسن، فعَلَتْ به همَّتُه، وقوِيَتْ عزيمتُه، وانقشَعَتْ عنه ظلماتُ نفسِه وطبعِه. لأنّ النُّور والظُّلمة لا يجتمعان إلّا ويَطْرُد أحدُهما صاحبَه، فرَقِيَتِ الروحُ٤ حينئذٍ بين الهيبة والأنس إلى الحبيب الأوّل.

نَقِّلْ فؤادَك حيث شئتَ من الهوىما الحبُّ إلّا للحبيبِ الأوّلِ
كم منزلٍ في الأرض يَألَفُه الفتىوحَنينُه أبدًا لأوّلِ منزلِ٥
  1. (١) «المنازل» (ص ٧٢).
  2. (٢) في «المنازل»: «للفاقة».
  3. (٣) «المنة» ليست في ش، د.
  4. (٤) «الروح» ليست في ش.
  5. (٥) البيتان لأبي تمام في «ديوانه» (٤/ ٢٥٣).
411

وهذا النُّور كالشّمس في قلوب المقرّبين السّابقين، وكالبدر في قلوب الأبرار أصحابِ اليمين، وكالنّجم في قلوب عامّة المؤمنين. فكَمْ١ بين الزُّهرة والسُّهى!

قوله: (وتثبت باتِّباع السُّنّة)، أي ثباتها بمتابعة الرّسول ﷺ في أعماله وأقواله وأخلاقه. فبحسب هذا الاتِّباع يكون منشأ هذه المحبّة وثباتها وقوّتها، وبحسب نقصانه يكون نقصانها. كما تقدّم أنّ هذا الاتِّباع يوجب المحبّة والمحبوبيّة معًا، ولا يتمُّ الأمر إلّا بهما. فليس الشّأن في أن تحبّ الله، بل الشّأن في أن يحبّك الله، ولا يُحبّك إلّا إذا اتّبعتَ حبيبَه ظاهرًا وباطنًا، وصدَّقتَه خبرًا، وأطعتَه أمرًا، وأجبتَه دعوةً، وآثرتَه طوعًا، وفَنِيتَ عن حكم غيره بحكمه، وعن محبةِ غيرِه من الخلق بمحبّته، وعن طاعةِ غيره بطاعته. وإن لم يكن ذلك فلا تَتَعنَّ٢، فلستَ على شيءٍ.

وتأمّلْ قوله: ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، أي الشّأن في أنّ الله يحبُّكم، لا في أنّكم تحبُّونه، وهذا لا تنالونه إلّا باتِّباع الحبيب.

قوله: (وتَنمو على الإجابة بالفاقة)، الإجابة بالفاقة: أن يجيب الدّاعيَ بموفور الأعمال وهو خالٍ منها، كأنّه لم يعملْها، بل يجيب دعوتَه بمجرّد الإفلاس والفقر التّامِّ، فإنّ طريقة الفقر والفاقة تأبى أن يكون لصاحبها عملٌ أو حالٌ أو مقامٌ، وإنّما يدخل على ربِّه بالإفلاس المحض، والفاقة المجرّدة. ولا ريبَ أنّ المحبّة تنمو على هذا المشهد وهذه الإجابة. وما أعزَّه من مقامٍ،

  1. (١) ش، د: «وكما».
  2. (٢) ش: «فلا تتعب».
412

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي