مدارج السالكين

والصّواب الذي لا ريبَ فيه عند أرباب التّحقيق والبصائر: أنّ لسان المحبّة أتمُّ، ومقامها أكمل، وحالها أشرف، وصاحبها من أهل الصَّحْو بعد السُّكْر، والتّمكين بعد التّلوين، والبقاء بعد الفناء. ولسانه نائبٌ عن كلِّ لسانٍ، وبيانه وافٍ بكلِّ ذوقٍ، ومقامه أعلى من كلِّ مقامٍ. فهو أميرٌ على من دونَه من أرباب المقامات، لأنّ مقامه أميرٌ على المقامات كلِّها.

أميرٌ أميرٌ عليه١ النَّدىجوادٌ بخيلٌ بأن لا يجودا

وأمّا كون نعوت المحبّة لا تتناهى، فلأنَّ لها في كلِّ مقامٍ نسبةً وتعلُّقًا٢ به، وهي روحُ كلِّ مقامٍ والحاملةُ له، وأقدام السّالكين إنّما تتحرّكُ بها، فلها تعلُّقٌ بكلِّ قدمٍ وحالٍ ومقامٍ، فلا تتناهى نعوتُها البتّة.

فصل

قوله٣: (وهذه المحبّة هي قطبُ هذا الشّأن. وما دونها مَحابُّ نَادتْ عليها الألسنُ، وادَّعتْها الخليقة، وأوجبتْها العقولُ).

يريد: أنّ مدارَ شأن السّالكين المسافرين إلى الله على هذه المحبّة الثّالثة. وإنّما كان كذلك لخلوصها من الشّوائب والعلل والأغراض، وصاحبها مرادٌ ومجذوبٌ ومطلوبٌ، وما دونَها من المَحابِّ صاحبُها باقٍ مع إرادته من محبوبه. أمّا محبّة الإحسان والأفعال فظاهرٌ، وأمّا محبّة الصِّفات

  1. (١) ش، د، ت: «أمين غلب»، خطأ. والبيت للمتنبي في «ديوانه» (٢/ ٨٧)، والمعنى: أن الممدوح أمير والندى أمير عليه، أي ملك عليه أمره فلا يعصيه.
  2. (٢) ش، د، ت: «وتعلق».
  3. (٣) «المنازل» (ص ٧٢).
416

فصاحبها مع لذّةِ روحه ونعيمِ قلبه بمطالعة الصِّفات، فإنّ لذّة الأرواح والعقول لا مَحالةَ في مطالعة صفات الكمال ونعوتِ الجمال.

وصاحب هذه المحبّة الثّالثة قد ارتقى عن هاتين الدّرجتين، وأخذ منه، وغُيِّبَ عنه. وهذا مبنيٌّ على أصله في كون الفناء غايةً. وقد عرفته.

وقوله: (ونادت عليها الألسن)، أي وصفتْها الألسن، فأكثرتْ صفاتِها، وتمكَّنتْ من التّعبير عنها.

و(ادّعتْها١ الخليقة)، بخلاف الدّرجة الثّالثة، فإنّه لا وصولَ لأحدٍ إليها إلّا بالحقِّ تعالى. فهي غيرُ كَسبيّةٍ، ولا تُنال بسببٍ، فلا يُمكن فيها الدّعوى، فإنّ شأنها أجلُّ من ذلك.

وقوله: (وأوجبتْها العقول)، يريد: أنّ العقل يحكم بوجوبها. وهو كما قال، فإنّ العقول تحكم بوجوب تقديم محبّة الله على محبّة النّفس والأهل والمال والولد وكلِّ ما سواه.

وكلُّ من لم يَحْكُم عقلُه بهذا فلا تَعْبَأْ بعقله، فإنّ العقل والفطرة والشِّرعة والاعتبار والنّظر يدعو إلى محبّته، بل إلى توحيده في المحبّة. وإنّما جاءت الرُّسل بتقريرِ ما في الفِطَر والعقول:

هَبِ الرُّسْلَ لم تأتِ من عندهولا أخبرتْ عن جمال الحبيبِ٢
أليس من الواجب المستحقْمحبَّتُه في اللِّقا والمَغيبِ
فمن لم يكن عقلُه آمرًابذا ما له في الحِجى من نصيب
  1. (١) «الألسن ... وادعتها» ساقطة من ش.
  2. (٢) يبدو أن الأبيات للمؤلف.
417

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي