مدارج السالكين

لأنا أغْيرُ منه، والله أغيرُ منِّي١».

وممّا يدخل في الغيرة قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥].

قال السَّرِيُّ لأصحابه: تدرون ما هذا الحجاب؟ حجاب الغيرة، ولا أحدَ أغيرُ من الله٢. إنّ الله تعالى لم يجعل الكفّار أهلًا لفهم كلامه، ولا أهلًا لمعرفته وتوحيده ومحبّته. فجعل بينهم وبين رسوله وكلامه وتوحيده حجابًا مستورًا عن العيون، غيرةً عليه أن يناله من ليس أهلًا له.

والغيرة منزلةٌ شريفةٌ عظيمةٌ جدًّا، جليلة المقدار، ولكنِ الصُّوفيّة المتأخِّرون منهم من قَلَبَ موضوعها، وذهب بها مذهبًا آخرَ باطلًا سمّاه غيرةً، فوضعها في غير موضعها، ولُبِّس عليه أعظمَ تلبيسٍ٣ كما ستراه.

والغيرة نوعان: غيرةٌ من الشّيء، وغيرةٌ على الشّيء.

والغيرة من الشّيء: هي كراهة مزاحمته ومشاركته لك في محبوبك.

والغيرة على الشّيء: هي شدّة حرصك على المحبوب أن يفوز به غيرك دونك، أو يشاركك في الفوز به.

والغيرة أيضًا نوعان: غيرة العبد من نفسه على نفسه لنفسه، كغيرته من نفسه على قلبه، ومن تفرقته على جمعيّته، ومن إعراضه على إقباله، ومن

  1. (١) «مني» ليست في ش، د.
  2. (٢) «الرسالة القشيرية» (ص ٥٤٦، ٥٤٧).
  3. (٣) انظر الكلام على الغيرة والرد على الصوفية عند المؤلف في «روضة المحبين» (ص ٤١١ - ٤٣٩).
420

صيانته على ابتذاله، ومن صفاته المذمومة على صفاته الممدوحة١.

وهذه الغيرة خاصِّيّة النّفس الشّريفة الزّكيّة العُلْويّة، وما للنّفس الدّنيّة المَهِينة فيها نصيبٌ، وعلى قدر شرفِ النّفس وعلوِّ همّتها تكون هذه الغيرة.

ثمّ الغيرة أيضًا نوعان: غيرة الحقِّ تعالى على عبده، وغيرة العبد لربِّه لا عليه.

فأمّا غيرة الرّبِّ على عبده: فهي أن لا يجعله للخلق [عبدًا]٢، بل يتّخذه لنفسه عبدًا، فلا يجعل له فيه شُركاء متشاكسينَ، بل يُفرِده لنفسه، ويَضَنُّ به على غيره. وهذه أعلى الغيرتين.

وغيرة العبد لربِّه نوعان أيضًا: غيرةٌ من نفسه، وغيرةٌ من غيره. فالّتي من نفسه: أن لا يجعل شيئًا من أعماله وأقواله وأحواله ولا أوقاته وأنفاسه لغير ربِّه. والّتي من غيره: أن يغضب لمحارمه إذا انتهكها المنتهكون، ولحقوقه إذا تهاونَ بها المتهاونون.

وأمّا الغيرة على الله: فأعظمُ الجهل وأبطلُ الباطل، وصاحبها من أعظم النّاس جهلًا، وربّما أدَّتْ بصاحبها إلى معاداته لربّه وهو لا يشعر، وإلى انسلاخه من أصل الدِّين والإسلام. وربّما كان صاحبها شرًّا على السّالكين إلى الله من قُطَّاع الطّريق، بل هو٣ من قُطّاع طريق السّالكين حقيقةً، وأخرج قَطْع الطّريق في قالب الغيرة. وأين هذا من الغيرة لله التي تُوجب تعظيمَ

  1. (١) ت: «المحمودة».
  2. (٢) ليست في ش، د، ت.
  3. (٣) «هو» ليست في ت.
421

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي