مدارج السالكين

حقوقه، وتصفيةَ أعماله وأحواله؟ فالعارف يَغار لله، والجاهل يَغار على الله. فلا يقال: أنا أَغارُ على الله، ولكن أنا أَغار لله.

وغيرة العبد من نفسه: أهمُّ من غيرته من غيره، فإنّك إذا غِرْتَ من نفسك صحَّتْ لك غيرتك لله من غيرك، وإذا غِرْتَ له من غيرك ولم تَغَرْ من نفسِك فالغيرة مدخولةٌ معلولةٌ ولا بدَّ. فتأمّلْها وحَقِّق النّظرَ فيها.

فليتأمّل السّالك اللّبيب هذه الكلمات في هذا المقام، الذي زلَّتْ فيه أقدام كثيرٍ من السّالكين. والله الهادي الموفِّق المثبِّت.

كما حكي عن واحدٍ أنّه قال: لا أستريح حتّى لا أرى من يذكر الله١. يعني غيرةً عليه من أهل الغفلة وذكرِهم.

والعجب أنّ هذا يُعَدُّ من مناقبه ومحاسنه، وغاية هذا: أن يُعذَر فيه لكونه مغلوبًا على عقله، وهو من أقبح الشّطحات. وذِكرُ الله على الغفلة وعلى كلِّ حالٍ خيرٌ من نسيانه بالكلِّيّة، والألسُن متى تركتْ ذكر الله الذي هو محبوبه اشتغلتْ بذكر ما يُبغِضه ويَمْقُت عليه. فأيُّ راحةٍ للعارف في هذا؟ وهل هو إلّا أشقُّ شيءٍ عليه وأكرهه إليه؟

وقولٌ آخر: لا أحبُّ أن أرى الله ولا أنظر إليه. فقيل له: كيف؟ قال: غيرةً عليه من نظرٍ٢ إليه٣.

  1. (١) حكاه القشيري عن الشبلي في «الرسالة القشيرية» (ص ٥٤٨). وانتقده شيخ الإسلام في «الاستقامة» (٢/ ٢٦).
  2. (٢) د: «نظري». ت: «نظر مثلي إليه».
  3. (٣) «الرسالة القشيرية» (ص ٥٤٨). وانتقده شيخ الإسلام في «الاستقامة» (٢/ ٦٢ وما بعدها)، والمؤلف في «روضة المحبين» (ص ٤٢٧).
422

فانظر إلى هذه الغيرة القبيحة، الدّالّة على جَهْل صاحبها، مع أنّه في خَفارة ذلِّه وتواضعه وانكساره واحتقاره لنفسه.

ومن هذا ما١ يُحكى عن الشِّبليِّ ﵀: أنّه لمّا مات ابنه دخلَ الحمّام ونوَّرَ٢ لحيتَه، حتّى أذهب شَعرَها كلّه. فكلُّ من أتاه معزِّيًا قال: أيشٍ هذا يا أبا بكرٍ؟ قال: وافقتُ أهلي في قَطْع شعورهم. فقال له بعض أصحابه: أخبرني لمَ فعلتَ هذا؟ فقال: علمتُ أنّهم يُعزُّونني على الغفلة ويقولون: آجَرَك الله، ففديتُ ذِكرَهم لله بالغفلة بلحيتي٣.

فانظُرْ إلى هذه الغيرة المحرّمة القبيحة، التي تضمّنتْ أنواعًا من المحرّمات: حلق الشَّعر عند المصيبة، وقد قال رسول الله ﷺ: «ليس منّا من حلقَ وسَلقَ وخرقَ»٤. أي حلق شعرَه، ورفع صوتَه بالنّدب والنِّياحة، وخرقَ ثيابه.

ومنها: حلق اللِّحية، وقد أمر رسول الله ﷺ بإعفائها وتوفيرها.

ومنها: منعُ إخوانه من تعزيته ونيلِ ثوابها.

ومنها: كراهيته٥ لجريان ذكرِ اسمِ الله على ألسنتهم بالغفلة. وذلك خيرٌ بلا شكٍّ من ترْكِ ذكره.

  1. (١) «ما» ليست في د.
  2. (٢) أي طلاه بالنُّورة، وهي حجر يحرق ويُسوّى منه الكلس، ويُحلق به الشعر.
  3. (٣) «الرسالة القشيرية» (ص ٥٥١).
  4. (٤) أخرجه مسلم (١٠٤) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.
  5. (٥) ت: «كراهته».
423

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي