فانظر إلى هذه الغيرة القبيحة، الدّالّة على جَهْل صاحبها، مع أنّه في خَفارة ذلِّه وتواضعه وانكساره واحتقاره لنفسه.
ومن هذا ما١ يُحكى عن الشِّبليِّ ﵀: أنّه لمّا مات ابنه دخلَ الحمّام ونوَّرَ٢ لحيتَه، حتّى أذهب شَعرَها كلّه. فكلُّ من أتاه معزِّيًا قال: أيشٍ هذا يا أبا بكرٍ؟ قال: وافقتُ أهلي في قَطْع شعورهم. فقال له بعض أصحابه: أخبرني لمَ فعلتَ هذا؟ فقال: علمتُ أنّهم يُعزُّونني على الغفلة ويقولون: آجَرَك الله، ففديتُ ذِكرَهم لله بالغفلة بلحيتي٣.
فانظُرْ إلى هذه الغيرة المحرّمة القبيحة، التي تضمّنتْ أنواعًا من المحرّمات: حلق الشَّعر عند المصيبة، وقد قال رسول الله ﷺ: «ليس منّا من حلقَ وسَلقَ وخرقَ»٤. أي حلق شعرَه، ورفع صوتَه بالنّدب والنِّياحة، وخرقَ ثيابه.
ومنها: حلق اللِّحية، وقد أمر رسول الله ﷺ بإعفائها وتوفيرها.
ومنها: منعُ إخوانه من تعزيته ونيلِ ثوابها.
ومنها: كراهيته٥ لجريان ذكرِ اسمِ الله على ألسنتهم بالغفلة. وذلك خيرٌ بلا شكٍّ من ترْكِ ذكره.
(١) «ما» ليست في د.
(٢) أي طلاه بالنُّورة، وهي حجر يحرق ويُسوّى منه الكلس، ويُحلق به الشعر.
(٣) «الرسالة القشيرية» (ص ٥٥١).
(٤) أخرجه مسلم (١٠٤) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.
(٥) ت: «كراهته».
فغايةُ صاحب هذا: أن يُغفَر له هذه الذُّنوب ويُعفى عنه، وأمّا أن يُعَدّ ذلك في مناقبه وفي الغيرة المحمودة= فسبحانك هذا بهتانٌ عظيمٌ.
ومن هذا: ما ذُكِر عن أبي الحسين النُّوريِّ: أنّه سمع رجلًا يُؤذِّن، فقال: طعنةً وسمَّ الموتِ. وسمع كلبًا ينبحُ، فقال: لبّيكَ وسعديكَ. فقالوا له: هذا تركٌ للدِّين. وصدقوا والله، يقول للمؤذِّن في تشهُّده: طعنةً وسمَّ الموتِ، ويُلبِّي نُباحَ الكلب؟! فقال: أمّا ذاك فكان يذكر الله عن رأس الغفلة، وأمّا الكلب فقد قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾١[الإسراء: ٤٤].
فيالله٢! ماذا ترى رسول الله ﷺ يُواجه به هذا القائلَ لو رآه يقول ذلك، أو عمر بن الخطّاب، أو مَن عدّ ذلك في المناقب والمحاسن؟!
وسمع الشِّبليُّ رجلًا يقول: جلَّ الله. فقال: أحبُّ أن تُجِلَّه عن هذا٣.
وأَذَّن مرّةً، فلمّا بلغَ الشّهادتين فقال: لولا أنّك أمرتَني ما ذكرتُ معك غيَرك٤.
وقال بعض الجُهَّال من القوم: «لا إله إلّا الله» من أصل القلب، و«محمّدٌ رسول الله» من القُرْط٥.
(١) «الرسالة القشيرية» (ص ٥٥٢). وانتقده شيخ الإسلام في «الاستقامة» (٢/ ١٥)، والمؤلف في «روضة المحبين» (ص ٤٢٩).
(٢) ت: «فبالله».
(٣) «الرسالة القشيرية» (ص ٥٥٢).
(٤) المصدر نفسه.
(٥) المصدر نفسه. وهو منسوب فيه إلى أبي الحسن الخَرْقاني.