ونحن نقول: «محمّدٌ رسول الله» من تمام قول «لا إله إلّا الله». فالكلمتان يخرجان من أصل القلب من مشكاةٍ واحدةٍ١، لا تتمُّ إحداهما إلّا بالأخرى.
فصل
قال صاحب «المنازل» ﵀٢: (باب الغيرة. قال الله ﷿ حاكيًا عن نبيِّه سليمان ﵇: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ﴾[ص: ٣٣]).
ووجه استشهاده بالآية: أنّ سليمان ﵇ كان يحبُّ الخيل، فشَغَلَه استحسانُها والنّظرُ إليها ــ لمّا عُرِضَتْ عليه ــ عن صلاة النّهار، حتّى توارت الشَّمسُ بالحجاب، فلحِقتْه الغيرةُ لله من الخيل، إذ استغرقَه استحسانُها والنّظر إليها عن خدمتِه وحقِّه، فقال: ردُّوها عليَّ، فطفِقَ يضرب أعناقَها وعراقيَبها بالسّيف غيرةً لله٣.
قال٤: (الغيرة: سقوطُ الاحتمال ضَنًّا، والضِّيق عن الصَّبر نفاسةً).
أي عَجْزُ الغيورِ عن احتمال ما يَشْغَلُه عن محبوبه ويَحْجُبه عنه، ضَنًّا به ــ أي بخلًا به ــ أن يعتاض عنه بغيره. وهذا البخل هو محض الكرم عند المحبِّين الصّادقين.
(١) ش، د: «واحد».
(٢) (ص ٧٢).
(٣) انظر: «تفسير الطبري» (٢٠/ ٨١ وما بعدها)، و«تفسير ابن كثير» (٦/ ٤١٩، ٤٢٠).
(٤) «المنازل» (ص ٧٢).
وأمّا الضِّيق عن الصّبر نفاسةً فهو أن يَضِيق ذَرعُه بالصّبر عن محبوبه. وهذا هو الصّبر الذي لا يُذَمُّ من أنواع الصّبر سواه، أو ما كان من وسيلته. والحامل له على هذا الضِّيق مغالاتُه بمحبوبه، وهي النّفاسة، فإنّه ــ لمنافسته ورغبته فيه ــ لا يسامح نفسه بالصّبر عنه.
والمنافسة هي كمال الرّغبة في الشّيء، ومنعُ الغير منه إن لم تُمدح فيه المشاركة، والمسابقة إليه إن مُدِحت فيه المشاركة. قال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾[المطففين: ٢٦]. وبين المنافسة والغِبطة جمعٌ وفرقٌ، وبينهما وبين الحسد أيضًا جمعٌ وفرقٌ. فالمنافسة تتضمّن مسابقةً واجتهادًا وحرصًا. والحسد يدلُّ على مهانة الحاسد وعجزه، وإلّا فنافِسْ مَن حسدتَه، فذلك أنفعُ لك من حسدِه، كما قيل١:
إذا أعجبتْك خلالُ٢ امرئٍفكُنْه يكنْ منك ما يُعجِبُكْ
فليسَ على الجودِ والمكْرُماتإذا جِئتَها حاجبٌ يَحجُبكْ
قال٣: (وهي على ثلاث درجاتٍ. الدّرجة الأولى: غيرةُ العابد على ضائعٍ يَسترِدُّ ضياعَه، ويستدرك فَواتَه، ويتدارك قُواه).
(١) نسبهما ابن عبد البر في «بهجة المجالس» (١/ ٧٩٦) إلى داود بن جهور، وهما في «أدب الدين والدنيا» (ص ٥٨٢) لطاهر بن الحسين، وبلا نسبة في «ديوان المعاني» (١/ ١٠٧)، و«محاضرات الأدباء» (١/ ٣١٠).