مدارج السالكين

وأمّا الضِّيق عن الصّبر نفاسةً فهو أن يَضِيق ذَرعُه بالصّبر عن محبوبه. وهذا هو الصّبر الذي لا يُذَمُّ من أنواع الصّبر سواه، أو ما كان من وسيلته. والحامل له على هذا الضِّيق مغالاتُه بمحبوبه، وهي النّفاسة، فإنّه ــ لمنافسته ورغبته فيه ــ لا يسامح نفسه بالصّبر عنه.

والمنافسة هي كمال الرّغبة في الشّيء، ومنعُ الغير منه إن لم تُمدح فيه المشاركة، والمسابقة إليه إن مُدِحت فيه المشاركة. قال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦]. وبين المنافسة والغِبطة جمعٌ وفرقٌ، وبينهما وبين الحسد أيضًا جمعٌ وفرقٌ. فالمنافسة تتضمّن مسابقةً واجتهادًا وحرصًا. والحسد يدلُّ على مهانة الحاسد وعجزه، وإلّا فنافِسْ مَن حسدتَه، فذلك أنفعُ لك من حسدِه، كما قيل١:

إذا أعجبتْك خلالُ٢ امرئٍفكُنْه يكنْ منك ما يُعجِبُكْ
فليسَ على الجودِ والمكْرُماتإذا جِئتَها حاجبٌ يَحجُبكْ

والغبطة تتضمّن نوعَ تعجُّبٍ وفرحٍ للمغبوط واستحسانٍ لحاله.

فصل

قال٣: (وهي على ثلاث درجاتٍ. الدّرجة الأولى: غيرةُ العابد على ضائعٍ يَسترِدُّ ضياعَه، ويستدرك فَواتَه، ويتدارك قُواه).

  1. (١) نسبهما ابن عبد البر في «بهجة المجالس» (١/ ٧٩٦) إلى داود بن جهور، وهما في «أدب الدين والدنيا» (ص ٥٨٢) لطاهر بن الحسين، وبلا نسبة في «ديوان المعاني» (١/ ١٠٧)، و«محاضرات الأدباء» (١/ ٣١٠).
  2. (٢) ت: «خصال».
  3. (٣) «المنازل» (ص ٧٣).
426

العابد هو العامل بمقتضى العلم النّافع للعمل الصّالح، فغيرتُه على ما ضاع عليه من عملٍ صالحٍ، فهو يَستردُّ ضياعَه بأمثاله، ويَجبُر ما فاتَه من الأوراد والنّوافل وأنواعِ التقرُّب بفعلِ أمثالها من جنسها وغير جنسها، فيقضي ما ينفع فيه القضاء، ويُعوِّض ما يقبل العوض، ويَجبُر ما يمكن جَبْرُه.

وقوله: «ويستدرك فواته»، الفرق بين استرداد ضائعه واستدراك فائته: أنّ الأوّل يمكن أن يستردّ بعينه، كما إذا فاته الحجُّ في عامٍ تمكَّن منه، فأضاعَه في ذلك العام، استدركه في العام المقبل. وكذلك إذا أخَّر الزّكاة عن وقت وجوبها استدركه بعد تأخيرها، ونحو ذلك. وأمّا الفائت فإنّما يُستدرَك بنظيره، كقضاء الواجب الموقَّت إذا فات وقته.

أو يكون مراده باسترداد الضّائع واستدراك الفائت نوعَيِ التّفريط في الأمر والنّهي، فيستردُّ ضائعَ هذا بقضائه وفعلِ أمثاله، ويستدرك فائتَ هذا ــ أي سالفه ــ بالتّوبة والنّدم.

وأمّا تدارك قُواه فهو أن يتدارك قوَّتَه ببذلها في الطّاعة قبلَ أن تتبدّلَ بالضّعف، فهو يَغار عليها أن تذهب في غير طاعة الله، أو يتداركَ قوى العمل الذي لحقه الفتور، بأن يكسُوَه قوّةً ونشاطًا غيرةً له وعليه.

فهذه غيرة العُبَّاد.

فصل

(الدّرجة الثّانية: غيرة المريد. وهي غيرةٌ على وقتٍ فات، وهي غيرةٌ قاتلةٌ. فإنّ الوقت وَحِيُّ التّقضِّي، أَبِيُّ الجانب، بَطِيُّ الرُّجوع)١.

  1. (١) «المنازل» (ص ٧٣).
427

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي