مدارج السالكين

المريدون هم أرباب الأحوال، والعُبَّاد أرباب الأوراد والعبادات. وكلُّ مريدٍ عابدٌ، وكلُّ عابدٍ مريدٌ. لكنّ القوم خَصُّوا أهلَ المحبّة وأذواق حقائق الإيمان باسم «المريد»، وخَصُّوا أصحاب العمل المجرّد باسم «العابد». وكلُّ مريدٍ لا يكون عابدًا فزنديقٌ، وكلُّ عابدٍ لا يكون مريدًا فمُراءٍ.

والوقت عند العابد: هو وقت العبادة والأوراد، وعند المريد: هو وقت الإقبال على الله، والجمعيّة عليه، والعكوف عليه بالقلب كلِّه.

والوقت أعزُّ شيءٍ عليه، يَغار عليه أن ينقضي بدون ذلك. فإذا فاته الوقت فلا يمكنه استدراكُه البتّةَ، لأنّ الوقت الثّاني قد استحقّ واجبه الخاصّ، فإذا فاته وقتٌ١ فلا سبيلَ له إلى تداركه. كما في «المسند»٢ مرفوعًا: «مَن أفطر يومًا من رمضان متعمِّدًا من غير عذرٍ، لم يَقْضِه عنه صيامُ الدّهر وإن صامَه».

قوله: (وهي غيرةٌ قاتلةٌ) يعني: مُضِرّة ضررًا شديدًا بيِّنًا يُشبِه القتل، لأنّ حسرة الفوت قاتلةٌ، ولا سيّما إذا علم المتحسِّر أنّه لا سبيل له إلى الاستدراك.

وأيضًا فالغيرة على التّفويت تفويتٌ آخر، كما يقال: الاشتغال٣ بالنّدم على الوقت الفائت تضييعٌ للوقت الحاضر ولذلك يقال: الوقت سيفٌ، فإن

  1. (١) ت: «الوقت».
  2. (٢) رقم (١٠٠٨٠، ١٠٠٨١). وأخرجه أيضًا أبو داود (٢٣٩٧)، والترمذي (٧٢٣)، والنسائي (٣٢٧٩)، وابن ماجه (١٦٧٢) وغيرهم من طرقٍ عن ابن المطوّس عن أبيه عن أبي هريرة ﵁. وإسناده ضعيف لجهالة ابن المطوس وأبيه. وضعَّفه الحافظ في «الفتح» (٤/ ١٦١) وغيره. وانظر: «تمام المنة» (٣٩٦).
  3. (٣) «الاشتغال» ليست في ش، د.
428

لم تقطَعْه قَطَعك١.

ثمّ بيّن الشّيخ ﵀ السّببَ في كون هذه الغيرة قاتلةً، فقال: «فإنّ الوقت وَحِيُّ التّقضِّي»، أي سريع الانقضاء، كما تقول العرب: الوحَى الوحَى، أي: العجل العجل، والوحْيُ: الإعلام في خفاءٍ وسرعةٍ، ويقال: جاء فلانٌ وحيًا أي مجيئًا سريعًا.

فالوقت منقضٍ بذاته، مُتَصرِّمٌ٢ بنفسه. فمن غفل عن نفسه تصرَّمتْ أوقاته، وعظم فَواته، واشتدّتْ حسراته. فكيف حاله إذا علم عند تحقُّق الفوت مقدارَ ما أضاع، وطلب الرُّجعى فحِيلَ بينه وبين الاسترجاع، وطلب تناول الفائت؟

وكيف يردُّ الأمس في اليوم الجديد؟ وأنّى له التّناوشُ من مكانٍ بعيدٍ؟٣ ومُنِع ممّا يحبُّه ويرتضيه، وعلم أنّ ما اقتناه ليس ممّا ينبغي للعاقل يقتنيه، وحِيلَ بينه وبين ما يشتهيه٤.

فيا حَسَراتٍ ما إلى ردِّ مثلها ... سبيلٌ ولو رُدَّتْ لهانَ التَّحسُّرُ ... هي الشّهواتُ اللَّاءِ كانت تحوَّلتْ ... إلى حَسَراتٍ حينَ عَزَّ التّصبُّرُ

  1. (١) ذكره المؤلف في «الداء والدواء» (ص ٣٥٨) عن الشافعي نقلًا عن الصوفية. وهو باختصار في «مناقب الشافعي» للبيهقي (٢/ ٢٠٨)، و«الرسالة القشيرية» (ص ٢٣٣)، و«تلبيس إبليس» (ص ٣٠١).
  2. (٢) ت: «منصرم».
  3. (٣) نظر إلى قوله تعالى: ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [سبأ: ٥٢].
  4. (٤) كما في قوله تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ: ٥٤].
429

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي