ثمّ بيّن الشّيخ ﵀ السّببَ في كون هذه الغيرة قاتلةً، فقال: «فإنّ الوقت وَحِيُّ التّقضِّي»، أي سريع الانقضاء، كما تقول العرب: الوحَى الوحَى، أي: العجل العجل، والوحْيُ: الإعلام في خفاءٍ وسرعةٍ، ويقال: جاء فلانٌ وحيًا أي مجيئًا سريعًا.
فالوقت منقضٍ بذاته، مُتَصرِّمٌ٢ بنفسه. فمن غفل عن نفسه تصرَّمتْ أوقاته، وعظم فَواته، واشتدّتْ حسراته. فكيف حاله إذا علم عند تحقُّق الفوت مقدارَ ما أضاع، وطلب الرُّجعى فحِيلَ بينه وبين الاسترجاع، وطلب تناول الفائت؟
وكيف يردُّ الأمس في اليوم الجديد؟ وأنّى له التّناوشُ من مكانٍ بعيدٍ؟٣ ومُنِع ممّا يحبُّه ويرتضيه، وعلم أنّ ما اقتناه ليس ممّا ينبغي للعاقل يقتنيه، وحِيلَ بينه وبين ما يشتهيه٤.
فيا حَسَراتٍ ما إلى ردِّ مثلها ... سبيلٌ ولو رُدَّتْ لهانَ التَّحسُّرُ ... هي الشّهواتُ اللَّاءِ كانت تحوَّلتْ ... إلى حَسَراتٍ حينَ عَزَّ التّصبُّرُ
(١) ذكره المؤلف في «الداء والدواء» (ص ٣٥٨) عن الشافعي نقلًا عن الصوفية. وهو باختصار في «مناقب الشافعي» للبيهقي (٢/ ٢٠٨)، و«الرسالة القشيرية» (ص ٢٣٣)، و«تلبيس إبليس» (ص ٣٠١).
(٢) ت: «منصرم».
(٣) نظر إلى قوله تعالى: ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾[سبأ: ٥٢].
(٤) كما في قوله تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾[سبأ: ٥٤].
ويقال: إنّ أصعب الأحوال المنقطعة انقطاع الأنفاس، فإنّ أربابها إذا صَعِدَ النَّفَس صَعَّدوه إلى نحو محبوبهم، صاعدًا إليه، ملتبسًا٢ بمحبّته والشّوقِ إليه. فإذا أرادوا دفْعَه لم يدفعوه حتّى يَتبَعَه نَفَسٌ آخر مثله. فكلُّ أنفاسهم بالله وإلى الله، ملتبسةٌ بمحبّته والشّوق إليه والأنس به، فلا يفوتُهم نَفَسٌ من أنفاسهم مع الله إلّا إذا غلبهم النّوم. وكثيرٌ منهم يرى في نومه أنّه كذلك لالتباس روحه وقلبه به، فتُحفَظ عليه أوقاتُ نومه ويقظته. ولا تَستنكْر هذه٣ الحال، فإنّ المحبّة إذا غلبت من القلب وملكَتْه أوجبت ذلك لا مَحالة.
والمقصود أنّ الواردات والأوقات سريعة الزّوال، تمرُّ أسرعَ من السّحاب، وينقضي الوقت بما فيه، فلا يعود عليك منه إلّا أثرُه وحكمه. فاختَرْ لنفسك ما يعود عليك من وقتك، فإنّه عائدٌ عليك لا محالة. ولهذا يقال للسُّعداء: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾[الحاقة: ٢٤]، وللأشقياء: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾[غافر: ٧٥].
فصل
قال٤: (الدّرجة الثّالثة: غيرة العارف على عينٍ غطّاها غَيْنٌ، وسرٍّ غشِيَه رَيْنٌ، ونفسٍ عَلِقَ برجاءٍ، أو التفتَ إلى عطاءٍ).