مدارج السالكين

الأمّة. فأراد أن يكون ذلك الجزء مضافًا إلى ما له من الشّوق الذي يختصُّ به.

فصل

والشّوق أثرٌ من آثار المحبّة، وحكمٌ من أحكامها. فإنّه سفرُ القلب إلى المحبوب في كلِّ حالٍ.

وقيل: هو اهتياجُ القلوب إلى لقاء المحبوب١.

وقيل: هو احتراقُ الأحشاء، وتلهُّبُ القلوب، وتقطُّعُ الأكباد. والمحبّة أعلى منه، لأنّ الشّوق عنها يتولّد٢، وعلى قَدْرِها يقوى ويضعُف.

قال يحيى بن معاذٍ ﵀: علامةُ الشّوق فِطام الجوارحِ عن الشّهوات٣.

وقال أبو عثمان ﵀: علامته حبُّ القرب مع الرّاحة والعافية٤، كحال يوسف لمّا أُلقي في الجُبِّ لم يقلْ: «تَوَفَّني»، ولمّا أُدخِل السِّجن لم يقل: «تَوفَّني»، ولمّا تَمَّ له الأمر والنِّعمة قال: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ [يوسف: ١٠١].

قال ابن خَفيفٍ ﵀: الشّوق ارتياحُ القلوب بالوجد، ومحبّة اللِّقاء والقرب٥.

  1. (١) هذا قول أبي القاسم القشيري في «الرسالة القشيرية» (ص ٦٦٤).
  2. (٢) قاله ابن عطاء، كما في المصدر السابق (ص ٦٦٦).
  3. (٣) المصدر نفسه (ص ٦٦٥).
  4. (٤) المصدر نفسه (ص ٦٦٥). وفيه: «حبُّ الموت مع الراحة». وما بعدها من كلام أبي علي الدقاق في «الرسالة القشيرية» (ص ٦٦٦)، وأوله: «من علامات الشوق: تمنّي الموت على بساط العوافي». والمؤلف جمع بينهما.
  5. (٥) المصدر نفسه (ص ٦٦٧).
433

وقيل: هو لهيبٌ ينشأ بين أثناء الحشا، يَسنَحُ عن الفرقة. فإذا وقع اللِّقاء طَفِئَ١.

قلت: هذه مسألة نزاعٍ بين المحبِّين، وهي أنّ الشّوق هل يزول باللِّقاء أم لا٢؟ ولا يختلفون أنّ المحبّة لا تزول.

فمنهم من قال: يزول باللِّقاء، لأنّ الشّوق هو سفَرُ القلب إلى محبوبه، فإذا قدِمَ عليه ووصلَ إليه صار مكانَ الشّوق قرّةُ عينه به، وهذه القُرَّة تجامع المحبّةَ ولا تنافيها.

قال هؤلاء: وإذا كان الغالب على القلب مشاهدة المحبوب لم يَطْرُقْه الشّوق.

وقيل لبعضهم: هل تشتاق إليه؟ فقال: لا، إنّما الشّوقُ إلى غائبٍ، وهو حاضرٌ٣.

وقالت طائفةٌ: بل يزيد الشّوقُ بالقرب والوصول ولا يزول، لأنّه كان قبل الوصول على الخبر والعلم، وبعده قد صار على العيان والشُّهود. ولهذا قيل٤:

  1. (١) المصدر نفسه (ص ٦٦٦).
  2. (٢) تكلم عليها المؤلف في «روضة المحبين» (ص ٥١، ٥٢).
  3. (٣) «الرسالة القشيرية» (ص ٦٦٦)، و«إحياء علوم الدين» (٤/ ٣٣٩). ونحوه في «قوت القلوب» (٢/ ٦٤) عن أبي عاصم الشامي.
  4. (٤) البيت بلا نسبة في «الرسالة القشيرية» (ص ٦٦٨)، و«روضة المحبين» (ص ٥١، ٥٨٩). وهو لإسحاق الموصلي في «الأغاني» (٥/ ٣٥٨) و«الأمالي» للقالي (١/ ٥٥)، ورواية الشطر الثاني: إذا دنت الديار من الديارِ
434

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي