وأبرحُ ما يكون الشّوقُ يومًاإذا دَنَتِ الخيامُ من الخيام
قال الجنيد: سمعت السَّرِيّ رحمهما الله يقول: الشّوق أجلُّ مقامٍ للعارف إذا تحقَّقَ فيه، وإذا تحقَّقَ في الشّوق لَهَا عن كلِّ شيءٍ يَشْغَلُه عمّن يشتاق إليه١.
وعلى هذا فأهل الجنّة دائمًا في الشوق٢ إلى الله، مع قربِهم منه ورؤيتِهم له.
قالوا: ومن الدّليل على أنّ الشّوق يكون حال اللِّقاء أعظم: أنَّك ترى المحبَّ يبكي عند لقاء محبوبه، وذلك البكاء إنّما هو من شدّة شوقه إليه ووَجْدِه٣، ولذلك يجد عند لقائه نوعًا من الشّوق لم يجدْه في حالِ غَيبته عنه.
وفصلُ النِّزاع في هذه المسألة: أنّ الشّوق يُراد به حركة القلب واهتياجه للقاء المحبوب، فهذا يزول باللِّقاء. ولكن يعقبه شوقٌ آخر أعظم منه، تُثِيره حلاوة الوصل ومشاهدة جمال المحبوب، فهذا يزيد باللِّقاء والقرب ولا يزول. والعبارة عن هذا وجودُه، والإشارة إليه حصولُه. وبعضهم سمّى النّوع الأوّل شوقًا، والثّاني اشتياقًا.
قال القشيريُّ٤: سمعت الأستاذ أبا عليٍّ الدّقّاق ﵀ يُفرِّق بين
(١) «الرسالة القشيرية» (ص ٦٦٨).
(٢) ت: «شوق».
(٣) ت: «ووجده به».
(٤) في «الرسالة القشيرية» (ص ٦٦٤).
الشّوق والاشتياق، ويقول: الشّوق يَسكُن باللِّقاء، والاشتياق لا يزول باللِّقاء. قال: وفي معناه أنشدوا١:
ما يَرجِع الطَّرْفُ عنه عندَ رؤيتهحتّى يعود إليه الطَّرفُ مشتاقَا
وقال النّصراباذيُّ ﵀: للخلْقِ كلِّهم مقامُ الشّوق، وليس لهم مقامُ الاشتياق. ومن دخل في حال الاشتياق هَامَ فيه حتّى لا يُرى فيه أثرٌ ولا قرارٌ٢.
قال الدّقّاق ﵀ في قول موسى: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾[طه: ٨٤] قال: معناه: شوقًا إليك، فسَتَرَه بلفظ الرِّضا٣.
وقيل: إنّ أهل الشّوق إلى لقاء الله يَتَحسَّون حلاوةَ القرب عند وروده ــ لما قد كُشِفَ من رَوْحِ الوصول ــ أحلى من الشّهد٤. فهم في سكراته في أعظم لذّةٍ وحلاوةٍ.
وقيل: من اشتاق إلى الله اشتاق إليه كلُّ شيءٍ٥.
(١) البيت لإبراهيم بن العباس الصولي في «ديوانه» (ص ١٤٧) ضمن «الطرائف الأدبية». ولأبي نواس في «ديوانه» (ص ٢٥٧). وهو بلا نسبة في «العقد الفريد» (٦/ ٤٢٦)، و«الرسالة القشيرية» (ص ٦٦٥)، و«الموشى» (ص ٣٢٥)، و«روضة المحبين» (ص ٥٩٠).