كما قال بعضهم: أنا أدخل السُّوقَ والأشياءُ تشتاقُ إليَّ، وأنا حُرٌّ١ عن جميعها٢.
وفي مثل هذا قيل٣:
إذا اشْتاقتِ الخيلُ المناهلَ أعرضَتْعن الماء فاشتاقَتْ إليها المناهِلُ
وكانت عجوزٌ مُغْيِبَةٌ٤، فقدِمَ غائبُها من السّفر، ففرِحَ به أهلُه وأقاربه، وقعدتْ تبكي. فقيل لها: ما يُبكيكِ؟ فقالت: ذكَّرني قدومُ هذا الفتى يومَ القدومِ على الله٥.
يا مَن شَكا شوقَه من طولِ فُرقتهاصبِرْ لعلَّكَ تَلقى مَن تُحِبُّ غدَا٦
وقيل: خرج داود يومًا إلى الصّحراء منفردًا، فأوحى الله إليه: ما لي أراك منفردًا؟ فقال: إلهي استأثَرَ شوقي إلى لقائك على قلبي، فحالَ بيني وبين صحبة الخلق. فقال: ارجِعْ إليهم، فإنّك إن أتيتَني بعبد آبقٍ أَثبتُّكَ في اللّوح المحفوظ جِهْبِذًا٧.
(١) ت: «غر».
(٢) «الرسالة القشيرية» (ص ٦٦٩).
(٣) البيت لأبي العلاء المعري في «سقط الزند» (ص ١٩٥).
(٤) المرأة التي غاب عنها زوجها.
(٥) «الرسالة القشيرية» (ص ٦٦٦)، وذكر المؤلف هذا الخبر في «روضة المحبين» (ص ٥٩٣).
(٦) البيت للعباس بن الأحنف في «ديوانه» (ص ٨٣). وبلا نسبة في «الرسالة القشيرية» (ص ٦٦٥)، و«طريق الهجرتين» (٢/ ٦٨١)، و«روضة المحبين» (ص ٥٨٩).
قال صاحب «المنازل» ﵀١: (الشّوق: هُبوبُ القلب إلى غائبٍ. وفي مذهب هذه الطّائفة: علّة الشّوق عظيمةٌ، فإنّ الشّوق إنّما يكون إلى الغائب، ومذهب هذه الطّائفة إنّما قام على المشاهدة، ولهذه العلّة لم ينطق القرآنُ باسمه).
قلت: هوصدَّر الباب بقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ﴾[العنكبوت: ٥]، جعل٢ الرّجاء شوقًا بلسان الاعتبار لا بلسان التّفسير، وأنّ دلالة الرّجاء على الشّوق باللُّزوم، لا بالتّضمُّن ولا بالمطابقة.
قوله: (هبوب القلب إلى غائبٍ)، يعني: سفره إليه، وهُوِيَّه إليه.
وأمّا العلّة التي ذكرها في الشّوق فقد تقدّم أنّ من النّاس من جعل الشّوق في حال اللِّقاء أكملَ منه في حال المَغِيب، فعلى قول هؤلاء٣ لا علّةَ فيه.
وأمّا من جعلَه سفرَ القلب إلى المحبوب في حال غيبته عنه، فعلى قوله يجيء كلام المصنِّف ﵀. ووجهه مفهومٌ.
(فإنّ مذهب هذه الطّائفة) ــ يريد أهل الفناء ــ (إنّما قام على المشاهدة)، فإنّ بدايته ــ كما قرَّره هو ــ المحبّة التي هي نهاية مقامات المريدين، والفناء إنّما يكون مع المشاهدة، ومع المشاهدة٤ لا عملَ للشّوق.