مدارج السالكين

أتمُّ منها لأهل الدُّنيا.

الثّالث: أنّه لا سبيلَ في الدُّنيا إلى مشاهدةٍ تُزِيل الشّوقَ البتّةَ. ومن ادّعى هذا فقد كذب، فإنّه لم يحصل هذا لموسى بن عمران كليم الرّحمن فضلًا عمّن دونه. فما هذه المشاهدة التي مذهب هذه الطّائفة مبنيٌّ عليها بحيث لا يكون معها شوقٌ؟ أهي كمال المشاهدة عيانًا وجهرةً؟ سبحانك هذا بهتانٌ عظيمٌ. أم نوعٌ من مشاهدة القلب لمعروفه، مع اقترانها بالحجب الكثيرة التي لا يُحصيها إلّا الله؟ فهل تمنع هذه المشاهدة الشّوقَ إلى كمالها وتمامها؟ وهل الأمر إلّا بالعكس في العقل والفطرة والحقيقة، لأنّ من شاهد محبوبه من بعض الوجوه كان شوقه إلى كمال مشاهدته أشدَّ وأعظم، وتكون تلك المشاهدة الجزئيّة سببًا لاشتياقه إلى كمالها وتمامها، فأين العلّة في الشّوق؟ وأين المشاهدة المانعة من الشّوق؟ وهذا بحمد الله ظاهرٌ.

فصل

قال١: (وهو على ثلاث درجاتٍ. الدّرجة الأولى: شوق العابد إلى الجنّة، ليأمنَ الخائفُ، ويفرحَ الحزين، ويَظْفَر الآمل).

يعني: شوق العابد إلى الجنّة فيه هذه الحِكَم الثّلاث:

أحدها: حصول الأمن الباعث على العمل، فإنّ الخوف المجرّد عن الأمن من كلِّ وجهٍ لا ينبعث صاحبه لعملٍ البتّةَ إن لم يقارِنْه أمنٌ، فإن تجرّد عنه قُطِع، وصار قنوطًا.

  1. (١) «المنازل» (ص ٧٤).
440

الثّاني: فرحُ الحزين، فإنّ الحزن المجرّد أيضًا إن لم يقترن به الفرح قتلَ صاحبَه، فلولا روح الفرح لتعطّلتْ قُوى الحزين وقعدَ به حزنُه، ولكن إذا قعد به الحزن قام به روح الفرح.

الثّالث: روحُ الظَّفر، فإنّ الآمل إن لم يصحبْه روحُ الظَّفر مات أملُه.

فصل

قال١: (الدّرجة الثّانية: شوقٌ إلى الله ﷿، زَرَعَه الحبُّ الذي ينبت على حافَاتِ المِنَن، فعَلِقَ قلبه بصفاته المقدّسة، فاشتاق إلى معاينة لطائفِ كرمه، وآياتِ برِّه، وأعلامِ فضله. وهذا شوقٌ تَغْشَاه٢ المبارُّ، وتُخالِجُه المَسارُّ، ويُقاوِمه الاصطبار).

الشّوق إلى الله لا يُنافي الشّوقَ إلى الجنّة، فإنّ أطيبَ ما في الجنّة قربُه ورؤيته وسماعُ كلامه ورضاه. نعم، الشّوق إلى مجرّد الأكل والشُّرب والحور العين في الجنّة ناقصٌ جدًّا، بالنِّسبة إلى شوق المحبِّين إلى الله تعالى، بل لا نسبةَ له إليه البتّةَ. وهذا الشّوق درجتان:

إحداهما: شوقٌ زرعَه الحبُّ الذي سببه الإحسان والمِنّة، وهو الذي قال: «ينبتُ على حافَات المِنن». فسببه مطالعة منّة الله وإحسانه ونعمه.

وقد تقدّم بيان ذلك في منزلة المحبّة وتبيّن أنّ محبّة الأسماء والصِّفات أكمل وأقوى من محبّة الإحسان والآلاء.

  1. (١) «المنازل» (ص ٧٤).
  2. (٢) في «المنازل»: «تفثأه».
441

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي