مدارج السالكين

الثّاني: فرحُ الحزين، فإنّ الحزن المجرّد أيضًا إن لم يقترن به الفرح قتلَ صاحبَه، فلولا روح الفرح لتعطّلتْ قُوى الحزين وقعدَ به حزنُه، ولكن إذا قعد به الحزن قام به روح الفرح.

الثّالث: روحُ الظَّفر، فإنّ الآمل إن لم يصحبْه روحُ الظَّفر مات أملُه.

فصل

قال١: (الدّرجة الثّانية: شوقٌ إلى الله ﷿، زَرَعَه الحبُّ الذي ينبت على حافَاتِ المِنَن، فعَلِقَ قلبه بصفاته المقدّسة، فاشتاق إلى معاينة لطائفِ كرمه، وآياتِ برِّه، وأعلامِ فضله. وهذا شوقٌ تَغْشَاه٢ المبارُّ، وتُخالِجُه المَسارُّ، ويُقاوِمه الاصطبار).

الشّوق إلى الله لا يُنافي الشّوقَ إلى الجنّة، فإنّ أطيبَ ما في الجنّة قربُه ورؤيته وسماعُ كلامه ورضاه. نعم، الشّوق إلى مجرّد الأكل والشُّرب والحور العين في الجنّة ناقصٌ جدًّا، بالنِّسبة إلى شوق المحبِّين إلى الله تعالى، بل لا نسبةَ له إليه البتّةَ. وهذا الشّوق درجتان:

إحداهما: شوقٌ زرعَه الحبُّ الذي سببه الإحسان والمِنّة، وهو الذي قال: «ينبتُ على حافَات المِنن». فسببه مطالعة منّة الله وإحسانه ونعمه.

وقد تقدّم بيان ذلك في منزلة المحبّة وتبيّن أنّ محبّة الأسماء والصِّفات أكمل وأقوى من محبّة الإحسان والآلاء.

  1. (١) «المنازل» (ص ٧٤).
  2. (٢) في «المنازل»: «تفثأه».
441

وفي قوله: (ينبت على حافات المنن) أي جوانبه: إشارةٌ إلى عدم تمكُّنها وقوّتها، وأنّها من نباتِ الحافات التي هي جوانب١ المنن، لا من نبات الأسماء والصِّفات.

قوله: (فعلق قلبه بصفاته المقدّسة)، يعني الصِّفات المختصّة بالمِنَن والإحسان: كالبَرِّ، والمحسن، والجواد، والمعطي، والغفور، ونحوها.

وقوله: (المقدّسة)، يعني المطهَّرة المنزَّهة عن تأويل المحرِّفين وتشبيه الممثِّلين. وإنّما قلنا: إنّ مراده هذه الصِّفات الخاصّة لوجهين:

أحدهما: أنّ تعلُّق القلب بالصِّفات العامّة إنّما يكون في الدّرجة الثّالثة.

الثّاني: أنّه جعل ثمرة هذا التّعلُّق شوقَ العبد إلى معاينة لطائف كرم الرّبِّ ومننه وإحسانه وآيات برِّه، وهي علامات بِرِّه بالعبد وإحسانه إليه، وكذلك أعلام فضله، وهو ما يُفضِّله به على غيره.

وقوله: (وهذا شوقٌ تَغْشاه المَبارُّ)، يعني: أنّه شوقٌ معلولٌ، ليس خالصًا لذات المحبوب. بل لِما ينال منه من المَبارِّ، فقد غَشِيَتْه ــ أي أدركتْه ــ المَبارُّ.

وقوله: (وتُخالجه المَسارُّ)، أي تُجاذبه، فإنّ المخالجة هي المجاذبة، فإذا خالط هذا الشّوق الفرح كان ممزوجًا بنوعٍ من الحظِّ.

وقوله: (ويُقاومه الاصطبار)، أي أنّ صاحبه يقوى على الصّبر، فيقاوم صبره شوقه٢ ولا يغلب، بخلاف الشّوق في الدّرجة الثّالثة.

  1. (١) ش، د: «جواب».
  2. (٢) ش، د: «صبر مشوقه».
442

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي