المرتبة الثّالثة: إرسال الرّسول الملكيِّ إلى الرّسول البشريِّ، فيوحي إليه عن الله ما أمره أن يوصله إليه.
فهذه المراتبُ الثّلاثةُ خاصّةٌ بالأنبياء ﵈، لا تكون لغيرهم.
ثمّ هذا الرّسول الملكيُّ قد يتمثّل للرّسول البشريِّ رجلًا، يراه عيانًا ويخاطبه. وقد يراه على صورته التي خُلِق عليها، وقد يدخل فيه الملَكُ ويوحي إليه ما يوحيه، ثمّ يُفْصَمُ٣ عنه، أي يُقلع٤. والثّلاثة حصلت لنبيِّنا ﷺ.
(١) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة. والصواب أنه للعجاج والبيت من أرجوزته الشهيرة التي أولها: الحمد لله الذي استقلَّت انظر: "ديوانه" بتحقيق عبد الحفيظ السطلي (١/ ٤٠٨) والبيت من الشواهد المشهورة في كتب اللغة والتفسير. انظر مثلًا: "مجاز القرآن" (١/ ١٨٢)، و"العين" (٣/ ٣٢٠)، و"تفسير الطبري" (٥/ ٤٠٢).
(٢) يعني: أوحى الله القرارَ للأرض.
(٣) هكذا ضبط في ع على ما لم يسمَّ فاعله، ويروى بفتح الياء أيضًا. انظر: "مشارق الأنوار" (٢/ ١٦٠).
(٤) كذا في ع وفي الأصل مصلَحًا. وفي ل: "يقصم" وفي هامشها: "ظ". وفي ش بياض، وفي ج: "يقطع".
فصل
المرتبة الرّابعة: مرتبة المحدَّث١.
وهذه دون مرتبة الوحي الخاصِّ، فتكون٢ للصدِّيقين، كما كانت لعمر بن الخطّاب ﵁، كما قال النّبيُّ ﷺ: "إنّه قد٣ كان في الأمم قبلكم محدَّثون، فإن يكن في هذه الأمّة أحدٌ فعمر بن الخطّاب"٤﵁.
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيميّة٥﵁ يقول: جزَم بأنّهم كائنون في الأمم قبلنا، وعلَّق وجودَهم في هذه الأمّة بـ "إنْ" الشّرطيّة، مع أنّها أفضل الأمم؛ لاحتياجِ الأمم قبلنا إليهم، واستغناءِ هذه الأمّة عنهم لكمالِ نبوَّةِ نبيِّها ورسالته، فلم يُحوِج الله الأمّةَ بعده إلى محدَّثٍ ولا ملهَمٍ، ولا صاحبِ كشفٍ ولا إلى منامٍ. فهذا التّعليق لكمال الأمّة واستغنائها، لا لنقصها.
والمحدَّث: هو الذي يحدَّث في سرِّه وقلبه بالشَّيء، فيكون كما يحدَّث به.
قال شيخنا ﵁: والصِّدِّيقُ كان٦ أكملَ من المحدَّث، لأنّه استغنى بكمال صدِّيقيّته ومتابعته عن التّحديث والإلهام والكشف، فإنّه قد سلَّم
(١) غيِّر في ل إلى "التحديث".
(٢) ع: "وتكون".
(٣) "قد" ساقطة من ع.
(٤) أخرجه البخاري (٣٤٦٩) عن أبي هريرة ﵁، ومسلم (٢٣٩٨) عن عائشة ﵂.