مدارج السالكين

فصل

قال١: (الدّرجة الثّالثة: نارٌ أضرمَها صفوُ المحبّة، فنغَّصَتِ العيشَ، وسَلَبت السُّلوةَ، ولم يُنهنِهْها مَقَرٌّ٢ دون اللِّقاء).

يريد: أنّ الشّوق في هذه المرتبة شبيهُ النّار التي أضرَمَها صفْوُ المحبّة، وهو خالصها. وشَبَّه٣ بالنّار لالتهابه في الأحشاء.

وفي قوله: (صفو المحبّة) إشارةٌ إلى أنّها محبّةٌ لم تكن لأجل المنّة والنِّعم، ولكن محبّةٌ متعلِّقةٌ بالذّات والصِّفات.

قوله: (فنَغَّصتِ العيشَ)، أي منعتْ صاحبَها السُّكونَ إلى لذيذ العيش. والتّنغيص قريبٌ من التّكدير.

وقوله: (وسَلبتِ السُّلوة)، أي نَهَبتِ السُّلوّ وأخذتْه قهرًا. والسُّلوة هي الخلاص من كَرْبِ المحبّة، وإلقاءُ حِمْلِها عن الظّهر، والإعراضُ عن المحبوب تناسيًا.

وقوله: (لم يُنَهنِهْها مَقَرٌّ دون اللِّقاء)، أي لم يَكُفَّها ويردَّها قرارٌ دون لقاء المحبوب. وهذه لا يُقاومها الاصطبار، لأنّه لا يَكُفُّها دون لقاء من يحبُّ قرارٌ.

فصل

وقد يقوى هذا الشّوق، ويتجرّد عن الصّبر، فيُسمّى قَلَقًا. وبذلك سمّاه

  1. (١) «المنازل» (ص ٧٤).
  2. (٢) في «المنازل»: «مُعَزٍّ». والمثبت موافق لما في «شرح التلمساني».
  3. (٣) د، ت: «وشبَّهه».
443

صاحب «المنازل»، واستشهد عليه بقوله ــ حاكيًا عن كليمه موسى ــ: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه: ٨٤]. فكأنّه فَهِم أنّ عَجَلَتَه إنّما حملَه عليها القلقُ، وهو تجريد الشّوق للقائه وميعاده.

وظاهر الآية: أنّ الحامل لموسى على العجلة طلبُ رضا ربِّه، وأنّ رضاه في المبادرة إلى أوامره، والعجلة إليها. ولهذا احتجّ السّلف بهذه الآية على أنّ الصّلاة في أوّل الوقت أفضل، سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يذكر ذلك١، قال: لأنّ رضا الرّبِّ في العجلة إلى أوامره.

ثمّ حدَّه صاحب «المنازل» ﵀ بأنّه «تجريد الشّوق بإسقاط الصّبر»٢، أي تخليصه من كلِّ شائبةٍ بحيث يسقط معه الصّبر، فإن قارَنَه اصطبارٌ فهو شوقٌ.

ثمّ قال٣: (وهو على ثلاث درجاتٍ، الدّرجة الأولى: قلقٌ يُضَيِّق الخُلقَ، ويُبغِّض الخَلْق، ويُلذِّذ الموتَ).

يعني: يضيق خُلق صاحبه عن احتمال الأغيار، فلا يبقي فيه اتِّساعٌ لحملهم، فضلًا عن تقييدهم له، وتعوقه بأنفاسهم.

و(يُبغِّض الخَلق)، يعني: لا شيء٤ أبغضُ إلى صاحبه من اجتماعه بالخلق، لِما في ذلك من التّنافر بين حاله وبين خُلطتِهم.

  1. (١) انظر: «شرح العمدة» له (٢/ ١٩١).
  2. (٢) «المنازل» (ص ٧٤). وفيه «تحريك» بدل «تجريد».
  3. (٣) المصدر نفسه (ص ٧٥).
  4. (٤) «لا شيء» ليست في ش.
444

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي