وحدّثني بعض أقارب شيخ الإسلام ابن تيمية١﵀ قال: كان في بداية أمره يخرج أحيانًا إلى الصّحراء يخلو عن النّاس، لقوّة ما يَرِد عليه. فتبعتُه يومًا، فلمّا أصْحَرَ٢ تنفَّسَ الصُّعَداء، ثمّ جعل يتمثّل بقول الشّاعر:
وأخرجُ من بين البيوتِ لعلَّنيأُحدِّث عنك النّفسَ بالسِّرِّ خاليَا
وصاحب هذه الحال إن لم يَرُدَّه الله سبحانه إلى الخَلْق بتثبيتٍ وقوّةٍ، وإلّا فإنّه لا صبرَ له على مخالطتهم.
وقوله: (ويُلذِّذ٣ الموتَ)، فإنّ صاحبه يرجو فيه لقاء محبوبه، فإذا ذكر الموت التذَّ به، كما يلتذُّ المسافر بتذكُّر قدومه على أهله وأحبابه.
أي يكاد يَقْهَر العقلَ ويغلبه، فهو والعقل تارةً وتارةً، ولكن لمّا لم يصل إلى درجة الشُّهود لم يَصطلِمْه، فإنّ العقل لا يصطلمه إلّا الشُّهود، ولذلك قال: يُغالب، ولم يقل: يَغلب.
(١) هو تقي الدين ابن شُقير، كما في «روضة المحبين» (ص ٣٩٤) حيث ذكر هذا الخبر، وكرّره في (ص ٥٩٠). والبيت للمجنون في «ديوانه» (ص ٢٩٤، ٣٠١، ٣١٤) من قصيدة طويلة له.
وأمّا إخلاؤه للسّمع فهو يتضمّن إخلاءه من شيءٍ، وإخلاءه لشيءٍ١. فيُخلِيه من استماعه ذِكْرَ الغير، ويُخلِيه لاستماعه أوصافَ المحبوب وذكْرَه وحديثَه. وقد يقوى إلى أن يبعد بين قلب صاحبه وبين إدراك الحواسِّ؛ لانقهار الحسِّ لسلطان القلَق.
وقوله: (ويُطاوِل الطّاقة) يعني: يُصابرها ويقاومها، فلا تَقدر طاقةُ الاصطبار على دفعه وردِّه.
فصل
قال٢: (الدّرجة الثّالثة: قلقٌ لا يرحم أبدًا، ولا يقبل أمدًا، ولا يُبقِي أحدًا).
يريد: أنّ هذا القلق له القهر والغلبة، لأنّه ربّما كان عن شهودٍ، فإذا عَلِقَ بالقلب لم يبقَ عليه حتّى يُلقِيَه في فناء الشُّهود.
(ولا يقبل أمدًا)، أي لا يقبل حدًّا ومقدارًا يقف عنده وينقضي به، كما ينقضي ذو الأمد، فإنّه حاكمٌ غير محكومٍ عليه، مالكٌ للقلب غير مملوكٍ له.
(ولا يُبقي أحدًا)، أي٣ يُلقي صاحبَه في الشُّهود الذي تفنى فيه الرُّسوم وتضمحلُّ، فلا يُبقِي معه على أحدٍ رسمَه حتّى٤ يفنِيه.