ثمّ يقوى هذا القلقُ ويتزايد حتّى يُورث القلبَ حالةً شبيهةً بشدّة ظمإ الصَّادي الحرَّان إلى الماء، وهذه الحالة هي التي يُسمِّيها صاحب «المنازل»١ العطش، واستشهد عليه بقوله تعالى عن الخليل: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي﴾[الأنعام: ٧٦]. كأنّه أخذ من إشارة الآية: أنّه لشدّة عطَشِه إلى لقاء محبوبه لمّا رأى الكوكبَ قال: هذا ربِّي، فإنّ العطشان إذا رأى السَّراب ذكَّره الماء، فاشتدَّ عطشُه إليه.
وهذا ليس معنى الآية قطعًا، وإنّما القوم مُولَعون بالتعلُّق بالإشارات. وإلّا فالآية قد قيل٢: إنّها على تقدير الاستفهام، أي أهذا ربِّي؟ وليس بشيءٍ.
وقيل: إنّها على وجه إقامة الحجّة على قومه، فتصوَّرَ بصورة الموافق ليكون أدعى إلى القبول، ثمّ توسَّلَ بصورة الموافقة إلى إعلامهم بأنّه لا يجوز أن يكون المعبود ناقصًا آفلًا، فإنّ المعبود الحقّ لا يجوز أن يَغيب عن عابديه وخَلْقِه ويأفِل عنهم، فإنّ ذلك مُنافٍ لربوبيّته لهم. أو أنّه انتقل في مراتب الاستدلال على المعبود حتّى أوصلَه الدّليلُ إلى الذي فطر السّماوات والأرض، فوجَّه إليه وجهَه حنيفًا موحِّدًا، مُقبِلًا عليه، مُعرِضًا عمّا سواه.
(١) (ص ٧٥).
(٢) انظر هذا القول وأقوالًا أخرى في تفسير الآية في «تفسير البغوي» (٢/ ١١٠).
فصل
قال١: (العطش: كنايةٌ عن غلبةِ وَلُوعٍ بمأمولٍ).
الوَلُوع بالشّيء: هو التّعلُّق به بصفة المحبّة، مع أمل الوصول إليه.
وقيل في حدِّ الوَلُوع٢: إنّه كثرة ترداد القلب إلى الشّيء المحبوب. كما يقال: فلانٌ مُولَعٌ بكذا، وقد وَلِعَ به.
وقيل: هو لزوم القلب للشّيء، فكأنّه مثل: أُغرِيَ به فهو مُغْرًى.
قال٣: (وهو على ثلاث درجاتٍ. الأولى: عطشُ المريدِ إلى شاهدٍ يَرْوِيه، أو إشارةٍ تَشْفِيه، أو عَطْفةٍ تُروِيْه).
ولمّا كان المريد من أهل طلب الشّواهد، والشاهد محلُّ٤ الاعتبار، ومثير العزمات، وتعلُّق العُبّاد بالأعمال.
وقوله: (شاهد يرويه)، يحتمل أنّه من الرِّواية، أي يرويه عمّن أقامه له، فيكون ذلك إشارةً إلى شواهد العلم، فهو شديد العطش إلى شواهدَ يَرويها عن الصّادقين من أهل السُّلوك، يزداد بها تثبُّتًا وقوّةً وبصيرةً. فإنّ المريد إذا تجدّدتْ له حالةٌ أو حصلَ له واردٌ استوحشَ من تفرُّدِه بها، فإذا قام عنده
(١) «المنازل» (ص ٧٥).
(٢) هو قول التلمساني في «شرحه» (ص ٤١٨).
(٣) «المنازل» (ص ٧٥). وفيه: «عطفة تؤويه». والمثبت مطابق لما عند التلمساني.
(٤) في النسخ: «على»، تحريف. وليس فيها جواب «لما»، ولعل فيها سقطًا. وفي شرح التلمساني: «المريد فوق درجة العابد، وهو من أهل الشواهد، والشاهد محلُّ الاعتبار، والمراد به ما يشهد للمريد بصحة سلوكه وصدق طريقه».