الوَلُوع بالشّيء: هو التّعلُّق به بصفة المحبّة، مع أمل الوصول إليه.
وقيل في حدِّ الوَلُوع٢: إنّه كثرة ترداد القلب إلى الشّيء المحبوب. كما يقال: فلانٌ مُولَعٌ بكذا، وقد وَلِعَ به.
وقيل: هو لزوم القلب للشّيء، فكأنّه مثل: أُغرِيَ به فهو مُغْرًى.
قال٣: (وهو على ثلاث درجاتٍ. الأولى: عطشُ المريدِ إلى شاهدٍ يَرْوِيه، أو إشارةٍ تَشْفِيه، أو عَطْفةٍ تُروِيْه).
ولمّا كان المريد من أهل طلب الشّواهد، والشاهد محلُّ٤ الاعتبار، ومثير العزمات، وتعلُّق العُبّاد بالأعمال.
وقوله: (شاهد يرويه)، يحتمل أنّه من الرِّواية، أي يرويه عمّن أقامه له، فيكون ذلك إشارةً إلى شواهد العلم، فهو شديد العطش إلى شواهدَ يَرويها عن الصّادقين من أهل السُّلوك، يزداد بها تثبُّتًا وقوّةً وبصيرةً. فإنّ المريد إذا تجدّدتْ له حالةٌ أو حصلَ له واردٌ استوحشَ من تفرُّدِه بها، فإذا قام عنده
(١) «المنازل» (ص ٧٥).
(٢) هو قول التلمساني في «شرحه» (ص ٤١٨).
(٣) «المنازل» (ص ٧٥). وفيه: «عطفة تؤويه». والمثبت مطابق لما عند التلمساني.
(٤) في النسخ: «على»، تحريف. وليس فيها جواب «لما»، ولعل فيها سقطًا. وفي شرح التلمساني: «المريد فوق درجة العابد، وهو من أهل الشواهد، والشاهد محلُّ الاعتبار، والمراد به ما يشهد للمريد بصحة سلوكه وصدق طريقه».
بمثلها شاهدُ حالٍ لمريدٍ آخر صادقٍ قد سبقه إليها استأنس بها أعظمَ استئناسٍ، واستدلَّ بشاهدِ ذلك المريد على صحّة شاهده، فلذلك يشتدُّ عطشُه إلى شاهدٍ يَرويه عن الصّادقين.
ويحتمل أنّه من الرِّيِّ، فيكون مضموم الياء، إذا حصل له الرِّيُّ بذلك الشّاهد، ونزلَ على قلبه منزلةَ الماء البارد من الظّمآن، فقرَّتْ عنده صحّتُه، وأنّه شاهد حقٍّ.
ويُرجِّح هذا ذكْرُ الرّيِّ مع العطش، ويرجِّح الأوّل: ذِكره لفظةَ الرِّيِّ في قوله: «أو عطفةٍ ترويه»، والأمر قريبٌ.
قوله: (أو إشارةٍ تَشفيه)، أي تَشفي قلبَه من علّةٍ عارضةٍ، فإذا وردتْ عليه الإشارة ــ إمّا من صادقٍ مثله، أو من عالمٍ، أو من شيخِ مسلكٍ، أو من آيةٍ فهِمَها، أو عبرةٍ ظفِرَ بها ــ اشتفى بها قلبه. وهذا معلومٌ عند من له ذوقٌ.
قوله: (أو إلى عطفةٍ تُروِيه)، أي عطفةٍ من جانب محبوبه عليه، تُروِي لهيبَ عطشِه وتَرُدُّه، فلا شيء أروى لقلب المحبِّ من عطف محبوبه عليه، ولا شيء أشدُّ للهيبِه وحريقِه من إعراض محبوبه عنه. ولهذا كان عذابُ أهل النّار باحتجاب ربِّهم عنهم أشدَّ عليهم ممّا هم فيه من العذاب الجسمانيِّ، كما أنّ نعيم أهل الجنّة ــ برؤيته تعالى وسماع خطابه ورضاه وإقباله ــ أعظمُ من نعيمهم الجسمانيِّ.
فصل
قال١: (الدّرجة الثّانية: عطشُ السّالك إلى أجلٍ يَطْوِيه، ويومٍ يُرِيه