مدارج السالكين

ما يُغنِيه، ومنزلٍ يستريحُ فيه).

إمّا أن يريد بالأجل الذي يَطوِيه: انقضاء مدّة سجن القلب والرُّوح في البدن، حتّى تَصِلَ إلى ربِّها وتَلْقاه، وهذا هو الظّاهر من كلامه.

وإمّا أن يريد به: عطشه إلى مقصود السُّلوك من وصوله إلى محبوبه وقُرّة عينه وجمعيّته عليه، فهو يَطوِي مراحلَ سيره حثيثًا ليصل إلى هذا المقصود، وحينئذٍ يعود له سيرٌ آخر وراء هذا السّير مع عدم مفارقته له، فإنّه إنّما وصل به، فلو فارقَه لانقطع انقطاعًا كلِّيًّا. ولكن يبقى له سيرٌ، وهو مستلقٍ على ظهره، يَسبِق به السُّعاةَ.

ويُرجِّح هذا المعنى الثّاني: أنّ المريد الصّادق لا يحبُّ الخروج من الدُّنيا حتّى يقضيَ نَحْبَه، لعلمه أنّه لا سبيل له إلى انقضائه في غير هذه الدّار، فإذا علم أنّه قد قضى نَحْبه أحبّ حينئذٍ الخروجَ منها. ولكن لا يقضي العبدُ نَحْبه حتّى يُوفِّي ما عليه.

والنّاس ثلاثةٌ: مُوفٍّ قد قضى نَحْبه، ومنتظرٌ للوفاء ساعٍ فيه حريصٌ عليه، ومُفرِّطٌ في وفاء ما عليه من الحقوق. والله المستعان.

قوله: (ويومٍ يُرِيه ما يُغنِيه)، أي يومٍ يرى فيه ما يُغنِي قلبَه ويَسُدُّ فاقتَه، من قُرّة عينه بمطلوبه ومراده.

وقوله: (ومنزلٍ يَستريحُ فيه)، أي منزلٍ من منازل السّير، ومقامٍ من مقامات الصّادقين، يستريح فيه قلبه، ويسكن فيه، ويخلُص من تلوُّنِ الأحوال عليه. فإنّ المقامات منازل، والأحوال مراحل، فصاحب الحال شديد العطش إلى مقامٍ يستقرُّ فيه ويَنزِله.

450

فصل

قال١: (الدّرجة الثّالثة: عطش المحبِّ إلى جَلْوةٍ، ما دونها سحابُ علّةٍ، ولا يُغطِّيها حجابُ تفرقةٍ، ولا يُعرِّج دونها على انتظارٍ).

عطشُ المحبِّ فوق عطش المريد والسّالك، وإن كان كلُّ محبٍّ سالكًا، وكلُّ مريدٍ سالكًا، وكلُّ سالكٍ ومريدٍ محبٌّ. لكن خُصَّ المحبُّ بهذا الاسم لتمكُّنه من المحبّة، ورسوخِ قلبه فيها.

والمريد والسّالك يُشمِّران إلى علمه الذي رُفِع إليه٢ ووصل إليه. ولذلك جعل الأولى لأهل البدايات، والثّانية للمتوسِّطين، والثّالثة: لأهل النِّهايات.

قوله: (عطشُ المحبِّ إلى جلوةٍ ما دونها سحابٌ).

يريد بالجلوة: استجلاء القلب لصفات المحبوب ومحاسنه، وانكشافها له.

وقوله: (ما دونها سحابٌ)، أي لا يسترها شيءٌ من سُحُب النّفس، وهي سُحُب العلل التي هي بقايا في العبد، تحول بينه وبين استجلائه صفاتِ محبوبه وتَعُوقُه عنه. فمهما بقي في العبد بقيّةٌ٣ من نفسه فهي سحابٌ وغَيْمٌ ساترٌ على قدره، فكثيفٌ ورقيقٌ وبينَ بينَ.

  1. (١) «المنازل» (ص ٧٦).
  2. (٢) ت: «له».
  3. (٣) «تحول ... بقية» ساقطة من د.
451

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي