مدارج السالكين

قوله: (ولا يُغطِّيها حجابٌ)، الحجب١ في لسان الطّائفة: النّفس وصفاتها وأحكامها، وهم مُجمِعون على أنّ النّفس من أعظم الحجب، بل هي الحجاب الأكبر، فإنّ حجاب الرّبِّ سبحانه عن ذاته هو النُّور، لو كشَفَه لأحرقَتْ سُبُحات وجهِه ما انتهى إليه بصرُه من خَلْقه٢ وحجابه من عبده هو نفسه وظلمته، فلو كُشِف عنه هذا الحجاب لوصلَ إلى ربِّه.

والوصول عند القوم عبارةٌ عن ارتفاع هذا الحجاب وزواله. فالحجاب الذي يَشتدُّ على المحبِّ، ويشتدُّ عطشُه إلى زواله: هو حجاب الظُّلمة والنّفس، وهو الحجاب الذي بينه هو وبين الله.

وأمّا الحجاب الذي بين الله وبين خلقه هو حجاب النُّور، فلا سبيلَ إلى كشفه في هذا العالم البتّةَ، ولا يطمعُ في ذلك بشرٌ، ولم يُكلِّم الله بشرًا إلّا من وراء حجابٍ. وهذا الحجاب كاشفٌ للعبد، مُوصِلٌ له إلى مقام الإحسان الذي يُعبِّر عنه القوم بمقام المشاهدة. والأوّل ساترٌ للعبد، قاطعٌ له، حائلٌ بينه وبين الإحسان وحقيقة الإيمان.

والتّفرقة كلُّها عندهم حُجُبٌ، إلّا تفرقةً في الله وبالله ولله، فإنّها لا تَحجُب العبدَ عنه، بل تُوصِلُه إليه. فلذلك قال: (ولا يُغطِّيها حجابُ تفرقةٍ)، فإنّ التّفرقة إنّما تكون حجابًا إذا كانت بالنّفس ولها.

قوله: (ولا يُعرِّج دونها على انتظارٍ)، يعني: لا يُعرِّج المُشاهِدُ لما يشاهده على انتظار أمرٍ آخر وراءها، كما يُعرِّج المحبُّ المحجوبُ على

  1. (١) ت: «الحجاب».
  2. (٢) كما في حديث أبي موسى الأشعري ﵁، الذي أخرجه مسلم (١٧٩).
452

انتظار زوال حجابه. والمراد: أنّه حصل له مشهدٌ تامٌّ، لا يبقى له بعده ما ينتظره.

وهذا عندي وهمٌ بيِّنٌ، فإنّه لا غايةَ لجمال المحبوب وكمال صفاته، بحيث يصل المُشاهِد لها إلى حالةٍ لا ينتظر معها شيئًا آخر.

وسنبيِّن ــ إن شاء الله ــ أنّه لا يصحُّ لأحدٍ في الدُّنيا مقامُ المشاهدة أبدًا، وأنّ هذا من أوهام القوم وتُرَّهاتِهم، وإنّما غاية ما يصل إليه العبد الشّواهدُ. ولا سبيلَ لأحدٍ قطُّ في الدُّنيا إلى مشاهدة الحقِّ، وإنّما وصوله إلى شواهد الحقِّ. ومن زعم غيرَ هذا فلغلبة الوهم عليه، وحُسنِ ظنِّه بتُرَّهات القوم وخيالاتهم.

ولله دَرُّ الشِّبليِّ حيث سئل عن المشاهدة، فقال: من أين لنا مشاهدةُ الحقِّ؟ لنا شاهد الحقِّ١. هذا، وهو صاحب الشَّطحات المعروفة، وهذا من أحسن كلامه وأَمتنِه.

وأراد بشاهد الحقِّ ما يَغلِب على القلوب الصّادقة العارفة: من ذِكْره ومحبّته وإجلاله وتعظيمه ووقاره، بحيث يكون ذلك حاضرًا فيها، مشهودًا بها٢، غير غائبٍ عنها. ومن أشار إلى غير ذلك فمغرورٌ مخدوعٌ، وغايته أن يكون في خَفارةِ صدقه، وضَعفِ تمييزه وعلمه.

ولا ريبَ أنّ القلوب تشاهد أنوارًا بحسب استعدادها، تَقوى تارةً، وتَضعُف أخرى. ولكنّ تلك أنوار الأعمال والإيمان والمعارف، وصفاء

  1. (١) «الرسالة القشيرية» (ص ٢٨٨).
  2. (٢) ت: «لها».
453

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي