البواطن والأسرار، لا أنّها أنوار الذّات المقدّسة. فإنّ الجبل لم يثبتْ لليسير من ذلك النُّور حتّى تدكدكَ، وخَرَّ الكليم صَعِقًا مع عدم تجلِّيه له. فما الظّنُّ بغيره؟
فإيّاك ثمّ إيّاك وتُرَّهاتِ القوم وخيالاتهم وأوهامَهم، فإنّها عند العارفين أعظمُ من حجاب النّفس وأحكامها، فإنّ المحجوب بنفسه معترفٌ بأنّه في ذُلِّ الحجاب. وصاحب هذه الخيالات والأوهام يرى أنّ الحقيقة قد تجلَّتْ له أنوارها. ولم يحصل ذلك لموسى بن عمران كليم الرّحمن، فحجاب هؤلاء أغلظُ بلا شكٍّ من حجاب أولئك. ولا يُقِرُّ لنا بهذا إلّا عارفٌ قد أشرقَ في باطنه نورُ المحمّديّة، فرأى ما النّاسُ فيه. وما أعزَّ ذلك في الدُّنيا! وما أغربَه بين الخلق! وبالله المستعان.
فالصّادقون في أنوار معارفهم وعباداتهم وأحوالهم ليس إلَّا، وأنوارُ ذاتِ الرّبِّ ﵎ وراء ذلك كلِّه. وهذا الموضع من مَقاطعِ الطّريق، ولله كم زَلَّتْ فيه أقدامٌ! وضَلَّتْ فيه أفهامٌ! وحارتْ فيه أوهامٌ! ونجا منه صادقُ البصيرة، تامُّ المعرفة، علمه متّصلٌ بمشكاة النُّبوّة. وبالله التّوفيق.
✽ ✽ ✽
فصل
ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾منزلة «الوجد».
ثبت في «الصّحيحين»١ من حديث أنسٍ ﵁ عن النّبيِّ ﷺ أنّه قال: «ثلاثٌ من كُنّ فيه وَجدَ بهنّ حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه ممّا سواهما٢، وأن يُحِبَّ المرءَ لا يحبُّه إلّا لله، وأن يكرهَ أن يعودَ في الكفر بعدَ أن أنقذَه الله منه، كما يكره أن يُقذَفَ في النّار».
وقد استشهد صاحب «المنازل» ﵀ بقوله تعالى في أهل الكهف: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾[الكهف: ١٤]. وهذا من أحسن الاستدلال والاستشهاد، فإنّ هؤلاء كانوا بين قومهم الكفّار في خدمة ملكهم الكافر، فما هو إلّا أن وجدوا حقيقةَ الإيمان والتوحيد، وذاقوا حلاوته، وباشَر قلوبَهم، فقاموا من بين قومهم، وقالوا: ﴿رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية.
والرّبط على قلوبهم يتضمّن الشّدَّ عليها بالصّبر والتّثبيت، وتقويتَها وتأييدها بنور الإيمان، حتّى صبروا على هجران دار قومهم، ومفارقةِ ما كانوا فيه من خَفْضِ العيش، وفرُّوا بدينهم إلى الكهف.
والرّبط على القلب عكسُ الخِذلان، فالخذلان حلُّه من رِباط التّوفيق،