مدارج السالكين

فيغفُل عن ذكر ربِّه، ويتّبع هواه، ويصير أمره فُرُطًا. والرّبط على القلب شَدُّه برباط التّوفيق١، فيتّصلُ بذكر ربِّه، ويتّبع مرضاته، ويجتمع عليه شَمْلُه. فلهذا استشهد عليه بهذه الآية في مقام الوجد.

والشّيخ ﵀ جعل مقام الوجد غير مقام الوجود كما سيأتي إن شاء الله تعالى، فإنّ الوجود عند القوم هو الظَّفر بحقيقة الشّيء. و«الوجد» هو ما يُصادف القلب ويَرِد عليه من واردات المحبّة والشّوق، والإجلال والتّعظيم، وتوابع ذلك. و«المواجيد» عندهم فوق الوجد، فإنّ الوجد مصادفةٌ، والمواجيد ثمراتُ الأوراد، وكلّما كثرت الأوراد قويت المواجيد. و«الوجود» عندهم فوق ذلك، وهو الظّفر بحقيقة المطلوب، ولا يكون إلّا بعد خمودِ البشريّة، وانسلاخِ أحكام النّفس انسلاخًا كلِّيًّا.

قال الجنيد ﵀: علم التّوحيد مُبايِنٌ لوجوده، ووجودُه مُبايِنٌ لعلمه٢.

ولا يريد بالمباينة: المخالفة والمناقضة، فإنّه يطابقه مطابقةَ العلم للمعلوم. وإنّما يريد بالمباينة أنّ حالَ الموحِّد وذوقَه للتّوحيد وانصباغَ قلبه بحاله: أمرٌ وراء علمه به، ومعرفته به. والمباينة بينهما كالمباينة بين علم الشّوق والتّوكُّل والخوف ونحوها وبين حقائقها ومواجيدها.

فالمراتب أربعةٌ:

أضعفُها: التّواجد، وهو نوع تكلُّفٍ وتعمُّلٍ واستدعاءٍ. واختلفوا فيه: هل

  1. (١) «فيغفل ... التوفيق» ساقطة من ت.
  2. (٢) «الرسالة القشيرية» (ص ٢٤٧، ٦٢٢).
456

يُسلَّم لصاحبه أم لا؟ على قولين١.

فطائفةٌ قالت: لا يُسلَّم لصاحبه، ويُنكَر عليه لما فيه من التّكلُّف والتّصنُّع المباين لطريق الصّادقين. وبناء هذا الأمر على الصِّدق المحض.

وطائفةٌ قالت: يُسلَّم لصاحبه إذا كان قصدُه استدعاء الحقيقة، لا التّشبُّه بأهلها. واحتجُّوا بقول عمر ﵁ وقد رأى رسول الله ﷺ وأبا بكرٍ يبكيان في شأن أُسارى بدرٍ، وما قبلوا منهم من الفداء: «أَخبِراني ما يُبكيكما؟ فإن وجدتُ بكاءً بكيتُ، وإلّا تباكيتُ»٢. ورووا أثرًا: «ابْكُوا؛ فإن لم تَبكُوا فتَباكَوْا»٣.

قالوا: والتّكلُّف والتّعمُّل في أوائل السُّلوك والسّير لا بدَّ منه، إذ لا يُطالَب صاحبه بما يُطالَب به صاحب الحال، وتعمُّلُه بنيّة حصول الحقيقة لمن يرصد الوجد لا يُذَمُّ. و«التّواجد» يكون بما يتكلَّفه العبد من حركاتٍ ظاهرةٍ، و«المواجيد» لما يُنازِله من أحكامٍ باطنةٍ.

المرتبة الثّانية: المواجيد، وهي نتائج الأوراد وثَمراتها.

المرتبة الثّالثة: الوجد، وهو ثمرة أعمال القلوب من الحبِّ في الله

  1. (١) انظر: «الرسالة القشيرية» (ص ٢٤٥).
  2. (٢) أخرجه مسلم (١٧٦٣) من حديث ابن عباس عن عمر ﵃.
  3. (٣) أخرجه ابن ماجه (١٣٣٧)، وأبو يعلى (٢/ ٥٠)، والبيهقي (٧/ ٢٣١) من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁. وإسناده ضعيف. وأخرجه أبو يعلى (٧/ ١٦١، ١٦٢) من حديث أنس بن مالك ﵁. وفي إسناده يزيد الرقاشي، ضعيف. وقد روي موقوفًا من قول أبي بكر الصديق ومن قول عبد الله بن عمرو ﵄، انظر التعليق على «زاد المعاد» (١/ ٢٠١).
457

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي