مدارج السالكين

يُسلَّم لصاحبه أم لا؟ على قولين١.

فطائفةٌ قالت: لا يُسلَّم لصاحبه، ويُنكَر عليه لما فيه من التّكلُّف والتّصنُّع المباين لطريق الصّادقين. وبناء هذا الأمر على الصِّدق المحض.

وطائفةٌ قالت: يُسلَّم لصاحبه إذا كان قصدُه استدعاء الحقيقة، لا التّشبُّه بأهلها. واحتجُّوا بقول عمر ﵁ وقد رأى رسول الله ﷺ وأبا بكرٍ يبكيان في شأن أُسارى بدرٍ، وما قبلوا منهم من الفداء: «أَخبِراني ما يُبكيكما؟ فإن وجدتُ بكاءً بكيتُ، وإلّا تباكيتُ»٢. ورووا أثرًا: «ابْكُوا؛ فإن لم تَبكُوا فتَباكَوْا»٣.

قالوا: والتّكلُّف والتّعمُّل في أوائل السُّلوك والسّير لا بدَّ منه، إذ لا يُطالَب صاحبه بما يُطالَب به صاحب الحال، وتعمُّلُه بنيّة حصول الحقيقة لمن يرصد الوجد لا يُذَمُّ. و«التّواجد» يكون بما يتكلَّفه العبد من حركاتٍ ظاهرةٍ، و«المواجيد» لما يُنازِله من أحكامٍ باطنةٍ.

المرتبة الثّانية: المواجيد، وهي نتائج الأوراد وثَمراتها.

المرتبة الثّالثة: الوجد، وهو ثمرة أعمال القلوب من الحبِّ في الله

  1. (١) انظر: «الرسالة القشيرية» (ص ٢٤٥).
  2. (٢) أخرجه مسلم (١٧٦٣) من حديث ابن عباس عن عمر ﵃.
  3. (٣) أخرجه ابن ماجه (١٣٣٧)، وأبو يعلى (٢/ ٥٠)، والبيهقي (٧/ ٢٣١) من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁. وإسناده ضعيف. وأخرجه أبو يعلى (٧/ ١٦١، ١٦٢) من حديث أنس بن مالك ﵁. وفي إسناده يزيد الرقاشي، ضعيف. وقد روي موقوفًا من قول أبي بكر الصديق ومن قول عبد الله بن عمرو ﵄، انظر التعليق على «زاد المعاد» (١/ ٢٠١).
457

والبغض فيه، كما جعله النّبيُّ ﷺ ثمرةَ كونِ الله ورسوله أحبَّ إلى العبد ممّا سواهما، وثمرةَ الحبِّ فيه وكراهةِ عوده في الكفر كما يكره أن يُقذَف في النّار. فهذا الوجد ثمرة هذه الأعمال القلبيّة، التي هي الحبُّ والبغض لله وفي الله.

المرتبة الرّابعة: الوجود، وهي أعلى ذروة مقام الإحسان، فمن مقام الإحسان يرقى إليه. فإنّه إذا غلبَ على قلبه مشاهدةُ معبوده حتّى كأنّه يراه، وتمكَّن في ذلك= صار له ملكةً أخْمَدتْ١ أحكامَ نفسه، وتَبدَّل بها أحكامًا أُخَر وطبيعةً ثانيةً، حتّى كأنّه أُنشِئ نشأةً أخرى غير نشأته الأولى، ووُلِد وِلادًا جديدًا.

وممّا يُذكر عن المسيح ﵇ أنّه قال: يا بني إسرائيل، لن تَلِجُوا ملكوتَ السّماء حتّى تُولَدوا مرّتين٢.

سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يذكر ذلك، ويُفسِّره٣ بأنّ الولادة نوعان، أحدهما: هذه المعروفة، والثّانية: ولادة القلب والرُّوح وخروجهما من مَشِيْمة النّفس وظُلمة الطّبع.

قال: وهذه الولادة لمّا كانت بسبب الرّسول ﷺ كان كالأب للمؤمنين، وقد قرأ أبيُّ بن كعبٍ ﵁: (النّبيُّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أبٌ لهم)٤.

  1. (١) في النسخ: «خمدت»، والمثبت يقتضيه السياق.
  2. (٢) ذكره المؤلف في «طريق الهجرتين» (١/ ٢٩، ٣٨١). وأورده فيما يأتي (ص ٥٦٣) وعزاه إلى كتاب «الزهد» للإمام أحمد، ولم أجده فيه.
  3. (٣) لم أجد كلامه في مؤلفاته المطبوعة، وانظر تفسيره للآية على القراءتين في «جامع المسائل» (٤/ ٢٧٤، ٢٧٥)، و«منهاج السنة» (٥/ ٢٣٨).
  4. (٤) رواه عبد الرزاق في «المصنف» (١٨٧٤٨)، والبيهقي (٧/ ٦٩) وغيرهما.
458

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي