مدارج السالكين

والبغض فيه، كما جعله النّبيُّ ﷺ ثمرةَ كونِ الله ورسوله أحبَّ إلى العبد ممّا سواهما، وثمرةَ الحبِّ فيه وكراهةِ عوده في الكفر كما يكره أن يُقذَف في النّار. فهذا الوجد ثمرة هذه الأعمال القلبيّة، التي هي الحبُّ والبغض لله وفي الله.

المرتبة الرّابعة: الوجود، وهي أعلى ذروة مقام الإحسان، فمن مقام الإحسان يرقى إليه. فإنّه إذا غلبَ على قلبه مشاهدةُ معبوده حتّى كأنّه يراه، وتمكَّن في ذلك= صار له ملكةً أخْمَدتْ١ أحكامَ نفسه، وتَبدَّل بها أحكامًا أُخَر وطبيعةً ثانيةً، حتّى كأنّه أُنشِئ نشأةً أخرى غير نشأته الأولى، ووُلِد وِلادًا جديدًا.

وممّا يُذكر عن المسيح ﵇ أنّه قال: يا بني إسرائيل، لن تَلِجُوا ملكوتَ السّماء حتّى تُولَدوا مرّتين٢.

سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يذكر ذلك، ويُفسِّره٣ بأنّ الولادة نوعان، أحدهما: هذه المعروفة، والثّانية: ولادة القلب والرُّوح وخروجهما من مَشِيْمة النّفس وظُلمة الطّبع.

قال: وهذه الولادة لمّا كانت بسبب الرّسول ﷺ كان كالأب للمؤمنين، وقد قرأ أبيُّ بن كعبٍ ﵁: (النّبيُّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أبٌ لهم)٤.

  1. (١) في النسخ: «خمدت»، والمثبت يقتضيه السياق.
  2. (٢) ذكره المؤلف في «طريق الهجرتين» (١/ ٢٩، ٣٨١). وأورده فيما يأتي (ص ٥٦٣) وعزاه إلى كتاب «الزهد» للإمام أحمد، ولم أجده فيه.
  3. (٣) لم أجد كلامه في مؤلفاته المطبوعة، وانظر تفسيره للآية على القراءتين في «جامع المسائل» (٤/ ٢٧٤، ٢٧٥)، و«منهاج السنة» (٥/ ٢٣٨).
  4. (٤) رواه عبد الرزاق في «المصنف» (١٨٧٤٨)، والبيهقي (٧/ ٦٩) وغيرهما.
458

قال: ومعنى هذه القراءة في قوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦]، إذْ ثبوتُ أمومة أزواجه لهم فرعٌ على ثبوت أُبوَّته.

قال١: فالشّيخ والمعلِّم والمؤدِّب أبو الرُّوح، والوالد أب الجسم.

ويقال في الحبِّ: وَجْدٌ، وفي الغضب: مَوجِدةٌ، وفي الظّفر: وجدانٌ ووجودٌ.

فصل

قال صاحب «المنازل» ﵀٢: (الوجد لهيبٌ يتأجَّجُ من شهودِ عارضٍ مُقْلِق).

لمّا كان الوجود أعلى من الوجد جعل سبب الوجد شهودًا عارضًا، وجعل الوجود نفس الظَّفر بالشّيء، كما سيأتي. وإنّما أوجب اللهيبَ لأنّ صاحبه لمّا شهدَ محبوبَه أورثَه ذلك لهيبَ القلبِ إليه، ولمّا لم يظفر به أورثَه القلَق، فلذلك جعله لهيبًا مُقلِقًا.

قال٣: (وهو على ثلاث درجاتٍ. الدّرجة الأولى: وجدٌ عارضٌ، يستفيق له شاهدُ السّمع، أو شاهدُ البصر، أو شاهدُ الفكر. أَبقى على صاحبه أثرًا أو لم يُبْقِ).

قوله: (وجدٌ عارضٌ)، أي متجدِّدٌ ليس بلازمٍ.

  1. (١) «قال» ليست في د.
  2. (٢) (ص ٧٦).
  3. (٣) «المنازل» (ص ٧٦).
459

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي