مدارج السالكين

قلبه١ وسرَّه وظاهرَه وباطنَه للرّسول ﷺ، فاستغنى به عمّا منه٢.

قال: وكان هذا المحدَّث يَعْرِض ما يُحدَّث به على ما جاء به الرَّسول، فإن وافقه قبله، وإلّا ردَّه. فعُلِمَ أنّ مرتبة الصِّدِّيقيّة فوق مرتبة التّحديث٣.

قال: وأمّا ما يقوله كثيرٌ من أصحاب الخيالات والجهالات: حدّثني قلبي عن ربِّي، فصحيحٌ أنّ قلبه حدّثه، لكن عمَّن٤؟ عن شيطانه، أو عن ربِّه؟ فإذا قال: حدَّثني قلبي عن ربِّي، كان مُسْنِدًا للحديث إلى من لم يعلم أنّه حدَّثه به، وذلك كذبٌ٥.

قال: ومحدَّث الأمّة لم يكن يقول ذلك، ولا تفوَّه به يومًا من الدّهر، وقد أعاذه الله من أن يقول ذلك. بل كتب كاتبه يومًا: هذا ما أرى الله تعالى أميرَ المؤمنين عمرَ بن الخطّاب، فقال: لا، امحُه واكتب: هذا ما رأى عمرُ بن الخطَّاب. فإن كان صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأً فمن عمر، واللهُ ورسولُه منه بريءٌ٦. وقال في الكلالة: أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن الله،

  1. (١) في ع بعده زيادة: "كلَّه".
  2. (٢) انظر نحوه في "الجواب الصحيح" (٢/ ٣٨٢)، و"الصفدية" (١/ ٢٥٩)، و"شرح الأصفهانية" (ص ١٧٥)، و"مجموع الفتاوى" (١٧/ ٤٦). وانظر: "مفتاح دار السعادة" (٢/ ٧٢٦).
  3. (٣) من هنا وقع في بعض النسخ المتأخرة في أول الفصل: "وتكون دون مرتبة الصديقين" بدلًا من "وتكون للصديقين". وانظر: "جامع المسائل" (١/ ٥٧)، و"درء التعارض" (٥/ ٢٨).
  4. (٤) "عمَّن" ساقط من ع.
  5. (٥) وانظر: "مجموع الفتاوى" (١٣/ ٢١٨)، و"إغاثة اللهفان" (١/ ٢١٣ - ٢١٤).
  6. (٦) أخرجه الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (٩/ ٢١٤) والهروي في "ذم الكلام" (٢٦٦) والبيهقي (١٠/ ١١٦) وابن حزم في "الإحكام" (٦/ ٤٨) من طرق عن أبي إسحاق الشيباني عن أبي الضحى عن مسروق به. وصحح إسناده المؤلف في "أعلام الموقعين" (١/ ١١٤) وابن حجر في "التلخيص الحبير" (٦/ ٣٢٠٢). وقوله: "والله ورسوله منه بريء" لم أجده.
62

وإن يكن خطأً فمنِّي ومن الشّيطان١. فهذا قول المحدَّث بشهادة الرّسول ﷺ، وأنت ترى الاتِّحاديَّ والحلوليَّ والمباحيَّ والشطّاح والسّماعيّ مجاهرًا٢ بالقِحَة والفِرية، ويقول: حدّثني قلبي عن ربِّي.

فانظر إلى ما بين القائلين والمرتبتين والقولين والحالين، وأعطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، ولا تجعل الزَّغَلَ والخالصَ شيئًا واحدًا.

فصل

المرتبة الخامسة: مرتبة الإفهام.

قال تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ ٧٨ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾

  1. (١) أخرجه الدارمي (٣٠١٥) والطبري (٦/ ٤٧٥) والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (٥٣١) والبيهقي في "السنن الكبرى" (٦/ ٢٢٣) وغيره من طرق عن عاصم الأحول عن الشعبي من قول أبي بكر الصديق ﵁، وفيه أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "إني لأستحيي الله أن أرد شيئًا قاله أبو بكر". وأخرجه ابن أبي شيبة (٣٢٢٥٥) من طريق آخر عن عاصم به بنحوه دون قول عمر. وإسناده إلى الشعبي صحيح، انظر: "تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي (١/ ٢٩١) و"التلخيص الحبير" (٤/ ٢٠٥٣) و"الضعيفة" (١٠/ ١٨٣).
  2. (٢) م، ش: "يجاهر". وفي ج: "مجاهر"، ويبدو أنه كان كذا في الأصل ثم زِيدت الألف والتنوين.
63

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي