مدارج السالكين

بواسطة الخطاب على ألسنة رسله ــ وهذا هو الخطاب الأوَّليّ ــ فصحيحٌ. وإن أراد به خطاب الملك له فليس بخطابٍ أوَّليٍّ. وإن أراد ما يسمعه في نفسه من الخطاب فهو خطابٌ وهميٌّ وإن ظنَّه أوَّليًّا، فإيّاك والأوهام والغرور.

ونحن لا ننكر الوجود، ولا ندفع الشُّهود، وإنّ

ما نتكلّم مع القوم في مرتبته ومَنْشَئه، ومن أين بدأ؟ وإلى من يعود؟ فلا ننكر واعظَ الله في قلب عبده المؤمن١ الذي يأمره وينهاه، ولكن ذاك في قلب كلِّ مؤمنٍ جعله الله واعظًا له، يأمره وينهاه، ويناديه ويُحذِّره، ويُبشِّره وينذره. وهو الدّاعي الذي يدعو فوق الصِّراط. والدّاعي على رأس الصِّراط كتاب الله. كما في «المسند» والتِّرمذيِّ٢ من حديث النّوّاس بن سَمْعان ﵁ عن النّبيِّ ﷺ قال: «ضربَ الله مثلًا: صراطًا مستقيمًا، وعلى جنبتَي الصِّراط سُورانِ، وفي السُّورين أبوابٌ مفتّحةٌ، وعلى الأبواب سُتورٌ مُرخاةٌ، وداعٍ يدعو على رأس الصِّراط، وداعٍ يدعو فوق الصِّراط. فالصِّراط المستقيم: الإسلام، والأبواب المفتّحة: محارم الله، فلا يقع أحدٌ في حدٍّ من حدود الله حتّى يكشف السِّتر. والدّاعي على رأس الصِّراط: كتاب الله. والدّاعي فوق الصِّراط: واعظُ الله في قلب كلِّ مؤمنٍ».

فما ثَمَّ خطابٌ قطُّ إلّا من جهةٍ من هاتين: إمّا خطاب القرآن، وإمّا خطاب هذا الواعظ.

  1. (١) «ومن أين بدأ ... المؤمن» ساقطة من ت.
  2. (٢) رواه أحمد (١٧٦٣٤، ١٧٦٣٦)، والترمذي (٢٨٥٩)، والنسائي في «الكبرى» (١١١٦٩). قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وصححه الحاكم (١/ ٧٣).
462

ولكن لمّا كانت الرُّوح قد تتجرّد ويَقوى تعلُّقها بالحقِّ تعالى، ويَضعُف تعلُّقها بل يتلاشى بما سواه، وقد يقترن بذلك نوعُ غَيبةٍ عن١ حسِّه، ويقوى داعي هذا الواعظ،

ويستولي على قلبه وروحه، بحيث يمتلئ به، فتُؤدِّيه الرُّوح إلى الأذن، فيرجع من الأذن إليها، إذ هي مبدؤه، وإليها يعود، فيظنُّه خطابًا خارجيًّا. وينضاف إلى ذلك نوعٌ من ضعف العلم ومعرفة المراتب، فينشأ الغلط والوهم.

قوله: (أو جذبٌ حقيقيٌّ)، يعني: أنّ من أسباب هذا الوجد٢ جذبةً حقيقيّةً من جَذَبات الرّبِّ تعالى لعبده، استفاقتْ لها روحُه من منامها، وحَيِيَتْ بها بعد مماتها، واستنارتْ بها بعد ظلماتها. فالوجد خلعة هذه الجذبة.

قوله: (إن أبقى على صاحبه لباسَه، وإلّا أبقى عليه نُورَه)، يريد بلباسه مقامه، يعني إن أبقى عليه تحقُّقَ مقامه فيه، وإلّا أبقى عليه أثره. فمقامُه يُورِثه عزًّا ومهابةً، وخلافةَ نبوّةٍ، ومنشورَ صدِّيقيّةٍ. وأثره يُورِثه حلاوةً وسكينةً، وأُنسًا في نفسه، وأُنسًا للقلوب به، وهوى الأفئدة إليه.

فصل

قال٣: (الدّرجة الثّالثة: وجدٌ يَخطَفُ العبدَ من يد الكونين، ويُمحِّص معناه من دَرَنِ الحظِّ، ويَسلُبه من رِقِّ الماء والطِّين، إن سَلَبه أنساه اسمَه، وإن

  1. (١) ت: «من».
  2. (٢) ش، د: «الوجه»، تصحيف.
  3. (٣) «المنازل» (ص ٧٧).
463

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي