ولكن لمّا كانت الرُّوح قد تتجرّد ويَقوى تعلُّقها بالحقِّ تعالى، ويَضعُف تعلُّقها بل يتلاشى بما سواه، وقد يقترن بذلك نوعُ غَيبةٍ عن١ حسِّه، ويقوى داعي هذا الواعظ،
ويستولي على قلبه وروحه، بحيث يمتلئ به، فتُؤدِّيه الرُّوح إلى الأذن، فيرجع من الأذن إليها، إذ هي مبدؤه، وإليها يعود، فيظنُّه خطابًا خارجيًّا. وينضاف إلى ذلك نوعٌ من ضعف العلم ومعرفة المراتب، فينشأ الغلط والوهم.
قوله: (أو جذبٌ حقيقيٌّ)، يعني: أنّ من أسباب هذا الوجد٢ جذبةً حقيقيّةً من جَذَبات الرّبِّ تعالى لعبده، استفاقتْ لها روحُه من منامها، وحَيِيَتْ بها بعد مماتها، واستنارتْ بها بعد ظلماتها. فالوجد خلعة هذه الجذبة.
قوله: (إن أبقى على صاحبه لباسَه، وإلّا أبقى عليه نُورَه)، يريد بلباسه مقامه، يعني إن أبقى عليه تحقُّقَ مقامه فيه، وإلّا أبقى عليه أثره. فمقامُه يُورِثه عزًّا ومهابةً، وخلافةَ نبوّةٍ، ومنشورَ صدِّيقيّةٍ. وأثره يُورِثه حلاوةً وسكينةً، وأُنسًا في نفسه، وأُنسًا للقلوب به، وهوى الأفئدة إليه.
فصل
قال٣: (الدّرجة الثّالثة: وجدٌ يَخطَفُ العبدَ من يد الكونين، ويُمحِّص معناه من دَرَنِ الحظِّ، ويَسلُبه من رِقِّ الماء والطِّين، إن سَلَبه أنساه اسمَه، وإن
(١) ت: «من».
(٢) ش، د: «الوجه»، تصحيف.
(٣) «المنازل» (ص ٧٧).
لم يَسلُبه أعاره رسمَه).
قوله: (يَخْطَف العبدَ من يد الكونين)، أي يُغنيه عن شهود ما سوى الله من كونَي الدُّنيا والآخرة، فيختطفُ القلبَ من شهود هذا وهذا بشهود المُكوِّن.
قوله: (ويُمحِّص معناه من دَرَنِ الحظِّ)، أي يُخلِّص عبوديَّته التي هي حقيقته وسِرُّه من وَسَخِ حظوظِ نفسه، وإراداتِها المزاحمةِ لمراد ربِّه منه. فإنّ تحقيق العبوديّة ــ التي هي معنى العبد ــ لا يكون إلّا بفقد النّفس الحاملة للحظوظ، فمتى فَقَدت حظوظَها تمحَّصتْ١ عبوديّتُها، وكلّما مات منها حظٌّ حَيِيَ منها عبوديّةٌ ومعنًى، وكلّما حَيِيَ فيها حظٌّ ماتت منها عبوديّةٌ، حتّى يعود الأمر على نفسين وروحين وقلبين: قلبٌ حيٌّ وروحٌ حيّةٌ بموت نفسه وحظوظها، وقلبٌ ميِّتٌ وروحٌ ميِّتةٌ بحياة نفسه وحظوظه. وبين ذلك مراتبُ متفاوتةٌ في الصِّحّة والمرض وبينَ بينَ، لا يُحصيها إلّا الله.
قوله: (ويسلُبه من رِقِّ الماء والطِّين)، أي يُعتِقه ويُحرِّره من رقِّ الطّبيعة والجسم المركّب من الماء والطِّين إلى رِقِّ ربِّ العالمين، فخادمُ الجسم الشّقيُّ بخدمته عبدُ الماء والطِّين، كما قيل٢:
يا خادمَ الجسمِ كَمْ تَشْقى بخدمتِهفأنت بالرُّوحِ لا بالجسمِ إنسانُ
(١) ت: «تمحضت».
(٢) البيت لأبي الفتح البستي من نونيته المشهورة في «ديوانه» (ص ١٨٣). وهو ملفَّق من بيتين: يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته ... لتطلب الربحَ فيما فيه خُسران أقبِلْ على النفس فاستكمِلْ فضائلَها ... فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان