مدارج السالكين

لم يَسلُبه أعاره رسمَه).

قوله: (يَخْطَف العبدَ من يد الكونين)، أي يُغنيه عن شهود ما سوى الله من كونَي الدُّنيا والآخرة، فيختطفُ القلبَ من شهود هذا وهذا بشهود المُكوِّن.

قوله: (ويُمحِّص معناه من دَرَنِ الحظِّ)، أي يُخلِّص عبوديَّته التي هي حقيقته وسِرُّه من وَسَخِ حظوظِ نفسه، وإراداتِها المزاحمةِ لمراد ربِّه منه. فإنّ تحقيق العبوديّة ــ التي هي معنى العبد ــ لا يكون إلّا بفقد النّفس الحاملة للحظوظ، فمتى فَقَدت حظوظَها تمحَّصتْ١ عبوديّتُها، وكلّما مات منها حظٌّ حَيِيَ منها عبوديّةٌ ومعنًى، وكلّما حَيِيَ فيها حظٌّ ماتت منها عبوديّةٌ، حتّى يعود الأمر على نفسين وروحين وقلبين: قلبٌ حيٌّ وروحٌ حيّةٌ بموت نفسه وحظوظها، وقلبٌ ميِّتٌ وروحٌ ميِّتةٌ بحياة نفسه وحظوظه. وبين ذلك مراتبُ متفاوتةٌ في الصِّحّة والمرض وبينَ بينَ، لا يُحصيها إلّا الله.

قوله: (ويسلُبه من رِقِّ الماء والطِّين)، أي يُعتِقه ويُحرِّره من رقِّ الطّبيعة والجسم المركّب من الماء والطِّين إلى رِقِّ ربِّ العالمين، فخادمُ الجسم الشّقيُّ بخدمته عبدُ الماء والطِّين، كما قيل٢:

يا خادمَ الجسمِ كَمْ تَشْقى بخدمتِهفأنت بالرُّوحِ لا بالجسمِ إنسانُ
  1. (١) ت: «تمحضت».
  2. (٢) البيت لأبي الفتح البستي من نونيته المشهورة في «ديوانه» (ص ١٨٣). وهو ملفَّق من بيتين:
    يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته ... لتطلب الربحَ فيما فيه خُسران
    أقبِلْ على النفس فاستكمِلْ فضائلَها ... فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان
464

والنّاس في هذا المقام ثلاثةٌ: عبد محضٌ، وحرٌّ محضٌ، ومُكاتَبٌ قد أدّى بعض كتابته وهو يسعى في بقيّة الأداء.

فالعبد المحض: عبدُ الماء والطِّين الذي قد استعبدتْه نفسُه وشهوتُه، وملكتْه وقهرتْه، فانقاد لها انقيادَ العبد إلى سيِّده الحاكم عليه.

والحرُّ المحض: هو الذي قهر نفسَه وشهوتَه وملكَها، فانقادتْ معه، وذلَّتْ له، ودخلَتْ تحت رقِّه وحكمه.

والمُكاتَب: من قد عقد له سبب الحرِّيّة، وهو يسعى في كمالها. فهو عبد من وجهٍ حرٌّ من وجهٍ، وللبقيّة التي بقيتْ عليه من الأداء كان عبدًا ما بقي عليه درهمٌ، فهو عبد ما بقي عليه حظٌّ من حظوظ نفسه.

فالحرُّ من تخلَّص من رقِّ الماء والطِّين، وفاز بعبوديّة ربِّ العالمين، فاجتمعت له العبوديّة والحرِّيّة. فعبوديّته من كمال حرِّيّته، وحرِّيّته من كمال عبوديّته.

قوله: (إن سلَبه أنساه اسمَه، وإن لم يسلُبه أعاره رسْمَه)، أي هذا الوجد إن سَلَب صاحبَه بالكلِّيّة فأفناه عنه وأخذَه منه= أنساه اسمَه، لأنّ الاسم تبعٌ للحقيقة، فإذا سلب الحقيقة نسي اسمها. وإن لم يسلبه بالكلِّيّة، بل أبقى منه١ رسمًا، فهو مُعَارٌ عنده بصدد الاسترجاع، فإنَّ العواري يوشك أن تُستَردّ. يشير بالأوّل: إلى حالة الفناء الكامل، وبالثّاني: إلى حالة الغَيبة التي يؤوب غائبها. والله أعلم.

  1. (١) ت: «له».
465

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي