وقد يَعْرِض للسّالك دهشةٌ في حال سلوكه، شبيهةٌ بالبَهْتَة التي تحصل للعبد١ عند مفاجأة رؤية محبوبه، وليست من منازل السُّلوك، خلافًا لأبي إسماعيل الأنصاريِّ حيث جعلها من المنازل، بل من غاياتها. فإنّ هذه الحالة ليست مذكورةً في القرآن ولا في السُّنّة ولا في كلام السّالكين، ولا عَدَّها أحدٌ من المتقدِّمين من المنازل والمقامات، ولهذا لم يجد ما يستشهد به عليها سوى حال النِّسوة مع يوسف ﵇، لمّا رأينَه أكبرنَه وقطَّعن أيديهنّ. فصدَّر الباب بقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾[يوسف: ٣١]، أي أعظمنه.
فإن كان مقصوده ما حصل لهنّ من إعظامه وإجلاله، فذلك منزلة التّعظيم. وإن كان مراده ما ترتَّب على رؤيته من غَيبتهنّ عن أنفسهنّ وعن أيديهنّ وما فيها حتّى قطَّعنها= فتلك منزلة الفناء. وإن كان مقصوده الدَّهْشة والبَهْتة التي حصلتْ لهنّ عند مفاجأته ــ وهو الذي قصَدَه ــ فذلك أمرٌ عارضٌ عند مفاجأة ما يغلب على صبر الإنسان وعقله، ولا ريبَ أنّ ذلك عارضٌ من عوارض الطّريق٢ ليس بمقامٍ للسّالكين، ولا منزلٍ مطلوبٍ لهم. فعوارضُ الطّريق شيءٌ، ومنازلُها ومقاماتُها شيءٌ.
فلهذا قال في تعريفه الدّهش٣: (بَهْتةٌ تأخذ العبدَ عند مفاجأة٤ ما يغلب على عقلِه أو صبرِه أو علمِه).
(١) ت: «للمحب».
(٢) «الطريق» ليست في ش، د.
(٣) «المنازل» (ص ٧٧).
(٤) في «المنازل»: «إذ فجأه».
يشير إلى الشُّهود الذي يغلِب عقلَه، والحبِّ الذي يغلب صبرَه، والحال الذي يغلب علمَه.
قال١: (وهو على ثلاث درجاتٍ. الأولى: دهشةُ المريد عند صَوْلة الحالِ على علمه، والوجدِ على طاقته، والكشفِ على همّته).
يعني: أنّ علمه يقتضي شيئًا، وحاله يصول عليه بخلافه. فهذا غايته أن يكون معذورًا إن لم يكن مفرطًا، فإنّ الحال لا يصول على العلم إلّا وأحدهما فاسدٌ، إمّا الصّائل أو المَصُول عليه. فإذا اقتضى العلمُ سكونًا، فصالَ عليه الحال بحركته، فهي حركةٌ فاسدةٌ. غايةُ صاحبها أن يكون معذورًا لا مشكورًا. وإذا اقتضى العلمُ حركةً، فصال الحال عليه بسكونه، فهو سكونٌ فاسدٌ.
مثال الأوّل: اقتضاء العلم للسُّكون والخشوع عند وارد السَّماع القرآنيِّ، وصولة الحال عليه حتّى يَزْعَق أو يَشْهَقَ أو يَخرِقَ٢ ثيابه أو يُلقِي نفسَه، لورود ما يُدْهِشه من معاني المسموع على قلبه، فيصُول حالُه على علمه، حتّى لو كان في صلاة تعرَّضَ لإبطالها وقطْعِها.
ومثال الثّاني: اقتضاء العلم لحركةٍ مفرّقةٍ في رضا المحبوب، فيصولُ الحال عليها بسكونه وجمعيّته حتّى يَقْهرها. وهذه من مقاطع القوم وآفاتهم، وما نجا منها إلّا أهلُ البصائر منهم، العاملون على تجريد العبوديّة. وكثرةُ صُوَرِ هذا مُغِنيةٌ عن كثرة الأمثلة، فإنّ أكثرهم يُقدِّم حالَ الجمعيّة على