مدارج السالكين

ملابسة الأغيار والأعداء في الجهاد والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، ويصولُ حالُ الجمعيّة عنده على الحركة التي يأمر بها العلم، كما صالت حركة الأوّل على السُّكون الذي يأمر به العلم.

قوله: (والوجد على الطّاقة)، يعني: أنّ وجد المحبِّ ربّما غلبَ صبرَه، وصال على طاقته، فصرخَ إلى محبوبه، واستغاث به، حتّى يأتيه النّصر من عنده. بل صُراخُه به واستغاثته به عينُ نصرِه إيّاه، حيث حفظ عليه وجْدَه، ولم يُرَدَّ فيه إلى صبرٍ يَسلُو به ويجفو، فيكون ذلك نوعَ طردٍ.

قوله: (والكشف على همّته)، يعني: أنّ الهمّة تستدعي صدقَ الطّلب ودوامه، والكشف هو الشُّهود، وهو في مظنّةِ فسخ الهمّة وإبطال حكمها، لأنّها تقتضي الطّلب، وهو يقتضي الفتور، لأنّ الطّلب لغائبٍ١ عن المطلوب، فهمّته متعلِّقةٌ بتحصيله. وصاحب الكشف في حضورٍ مع مطلوبه، فكشفُه صائلٌ على همّته، كما قال بعضهم: إذا بَرَقَتْ بارقةٌ من بوارق الحقيقة لم يَبْقَ معها حالٌ ولا همّةٌ.

وهذا أيضًا عارضٌ مطلوب الزّوال، والبقاء معه انقطاعٌ كلِّيٌّ، فإنّ السّالك في همّةٍ ما دامتْ روحه في جسده، فإذا فارقتْه الهمّةُ انقطع واستحسر.

فصل

(الدّرجة الثّانية: دهشةُ السّالك عند صَولة الجمعِ على رسمه، والسّبقِ على وقته، والمشاهدةِ على روحه)٢.

  1. (١) ت: «كغائب».
  2. (٢) «المنازل» (ص ٧٧).
468

الجمع عند القوم: ما أسقطَ التّفرقة، وقطعَ الإشارة، وباينَ الكائنات. ورسمُ العبد عندهم: هو صورته الظّاهرة والباطنة. فشهودُ الجمع يقتضي أن يستولي على فناء تلك الرُّسوم فيه. فللجمع صولةٌ على رسم السّالك، يغشاه عند بَهْتةٍ، هي الدّهشة المشار إليها.

وأمّا صَولة السَّبق على وقته، فالسّبق: هو الأزل، وهو سابقٌ على وقت السّالك. وإنّما صالَ الأزل على وقته لأنّ وقته حادثٌ فانٍ، فهو يرى فناءه في بقاء الأزل وسَبْقه، فيغلبه شهودُ السّبق، ويَقْهَره على شهود وقته، فلا يتّسع له.

وأمّا صَولة المشاهدة على روحه، لمّا كانت المشاهدة تعلُّقَ إدراكِ الرُّوح بشهود الحقِّ تعالى، فهي شهود الحقِّ بالحقِّ، كما قال تعالى١: «فبي يَسْمع، وبي يُبصِر» = اقتضى هذا الشُّهود صولةً على الرُّوح، فحيث صار الحكم له دونها فانطوى حكمُ الشّاهد في شهوده. وقد عرفتَ ما في ذلك فيما تقدّم.

قال٢: (الدّرجة الثّالثة: دهشةُ المحبِّ عند صولة الاتِّصال على لُطف العطيّة، وصولةِ نورِ القُرب على نورِ العَطْف، وصولةِ شوقِ العيان على شوقِ الخبر).

الاتِّصال عنده على ثلاث٣ مراتب: اتِّصال الاعتصام، واتِّصال

  1. (١) في الحديث القدسي الذي أخرجه البخاري (٦٥٠٢) عن أبي هريرة ﵁. وفيه: «كنتُ سمعَه الذي يسمع به، وبصرَه الذي يُبصِر به».
  2. (٢) «المنازل» (ص ٧٧).
  3. (٣) ت: «للاتصال عنده ثلاث».
469

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي