مدارج السالكين

فوق الإحسان للصِّدِّيقين مرتبةٌ١ إلّا بقاؤهم فيه، فإن سُمِّي ذلك عيانًا فالتّسمية الشّرعيّة المخلصة التي لا لبْسَ فيها أولى وأحرى.

وأكثر آفات النّاس من الألفاظ، ولا سيّما في هذه المواضع التي يَعِزُّ فيها تصوُّر الحقِّ على ما هو عليه والتّعبيرُ المطابق، فيتولَّدُ من ضعف التّصوُّر وقصورِ التّعبير نوعُ تخبيطٍ، ويتزايدُ على ألسنة السّامعين له وقلوبهم، بحسب قصورِهم وبُعدِهم من العلم. فتفاقَمَ الخَطْبُ، وعظُم الأمر، والتبستْ طريق أولياء الله الصّادقين بطريق الزّنادقة الملحدين، وعَزَّ المفرِّقُ بينهما. فدخل على الدِّين من الفساد من ذلك ما لا يعلمه إلّا الله، وأُشِيرَ إلى أعظم الخلق كفرًا بالله وإلحادًا في دينه بأنّه من شيوخ التّحقيق والمعرفة والسُّلوك.

ولولا ضمانُ الله لحفظِ دينه، وتكفُّله٢ بأن يُقيم له مَن يُجدِّد أعلامَه، ويُحيِي منه ما أماتَه المبطلون، ويُنعِش ما أخملَه الجاهلون= لهُدِّمتْ أركانُه، وتَداعى بنيانُه، ولكنّ الله ذو فضلٍ على العالمين.

  1. (١) «مرتبة» ليست في ش، د.
  2. (٢) ش: «تكلفه». والتصويب من هامشها.
471

فصل

وقد يَعرِض للسّالك عند ورود بعض المعاني والواردات العجيبة على قلبه فرطُ١ تعجُّبٍ واستحسانٍ واستلذاذٍ، يُزِيل عنه تماسُكَه، فيورِثُه ذلك الهيمان. وليس ذلك من مقامات السَّير، ولا منازل الطّريق المقصودة بالنُّزول فيها للمسافرين، خلافًا لصاحب «المنازل»، حيث عدَّ ذلك من أعلى المنازل وغاياتها، وعبَّر عنه بمنزلة الهيمان. ولهذا ليس له ذِكرٌ في القرآن، ولا في السُّنّة، ولا في لسان سلف القوم.

وقد تكلّف له صاحب «المنازل» ﵀ الاستشهادَ بقوله تعالى: ﴿دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣]. وما أبعدَ الآيةَ من استشهاده! وكأنّه ظنّ أنّه ذهب عن تماسكه، لِما وردَ عليه في حالة الخطاب والتّكليم الإلهيِّ، فأورثه ذلك هَيَمانًا صَعِقَ منه. وليس كما ظنَّه، وإنّما صعِقَ موسى عند تجلِّي الرّبِّ تعالى للجبل واضمحلالِه وتَدَكْدُكِه من تجلِّي الرّبِّ تعالى.

فالاستشهاد بالآية في منزلة٢ الفناء التي تضمحلُّ فيها الرُّسوم أنسبُ وأظهرُ، لأنّ تدكدُكَ الجبلِ هو اضمحلال رسمه عند ورود نور التّجلِّي عليه. والصَّعَق فناءٌ في هذه الحال لهذا الوارد المُفْنِي لبشريّةِ موسى ﵇.

وقد حدَّه بأنّه (الذّهاب عن التّماسك تعجُّبًا أو حيرةً)٣. يعني: أنّ لا يقدرَ على إمساكِ نفسِه للوارد تعجُّبًا منه أو حيرةً.

  1. (١) ش، د: «وفرط».
  2. (٢) ش، د، ت: «منزل».
  3. (٣) «المنازل» (ص ٧٨).
472

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي