وتَقوى هذه الحال إذا انضاف إليها شهودُ العبد لخِسَّةِ قدْرِ نفسه، فاستصغرها أن تكون أهلًا لما أُهِّلتْ له، وكذلك شهودُ سَفَالِ منزلته أي انحطاط رتبته، وكذلك شهودُ تَفاهةِ قيمته أي خِسَّتها وقلَّتها.
وحاصل ذلك كلِّه: احتقاره لنفسه، واستعظامه للطفِ ربِّه به، وتأهيله له. فيتولَّدُ من بين هذين الهَيَمانُ المذكور، ولا ريبَ أنّه يتولَّد من بين هذين الشُّهودين أمورٌ أخرى أجلُّ وأعظمُ وأشرفُ من الهَيَمانِ ــ من محبّةٍ، وحمدٍ وشكرٍ، وعزمٍ وإخلاصٍ، ونصيحةٍ في العبوديّة، وسرورٍ وفرحٍ بربِّه، وأُنسٍ به ــ هي مطلوبةٌ لذاتها، بخلاف عارضِ الهَيَمان، فإنّه لا يُطلَب لذاته، وليس هو من منازل العبوديّة.
فصل
قال١: (الدّرجة الثّانية: هَيَمانٌ في تلاطُمِ أمواجِ التّحقيق، عند ظهور براهينه، وتواصُلِ عجائبِه، ولوامعِ٢ أنواره).
يريد: أنّ السّالك والمريد إذا لاحتْ له أنوارُ تحقيق العلم والمعرفة اهتدى بها إلى القصد، عن بصيرةٍ مستجدَّةٍ ويقظةٍ مستجدَّة، فاستنار بها قلبُه، وأشرقَ لها سِرُّه، فتلاطَمَتْ عليه أمواجُ التّحقيق عند ظهور البراهين، فهامَ قلبُه فيها. وهذا أمرٌ يعرِفه بالذّوق كلُّ طالبٍ لأمرٍ عظيمٍ انفتحتْ له الطُّرقُ والأبوابُ إلى تحصيله.
ويريد بتواصل عجائبه: تتابُعَ عجائب التّحقيق، وأنّ بعضها لا يَحجُبُ
(١) «المنازل» (ص ٧٨).
(٢) في «المنازل» (ولياح».
عن بعضٍ، ولا يَقِفُ في طريق بعضٍ١، وكذلك لوامع أنواره. وأعظمُ ما يجدُ هذا الواجدُ: عند استغراقه في تدبُّر القرآن، ويحصل ذلك بحسب استعداده وأهليّته للفهم. ونسبةُ ما دون ذلك إليه كتَفْلَةٍ في بحرٍ.
فصل
قال٢: (الدّرجة الثّالثة: هَيَمانٌ عند الوقوع في عينِ القِدَم، ومعاينةِ سلطانِ الأزل، والغَرَقِ في بحر الكشف).
يريد: هَيَمان الفناء. والوقوع في عين القِدَم إنّما يكون باضمحلال الرّسم وفنائه في شهود القدم، فإنّه يفنى من لم يكن شهودًا٣، ويبقى من لم يزل. وكذلك معاينة سلطان الأزل لا يبقى معها معاينة رسوم الكائنات وأطلالِ الحادثات.
وأمّا بحر الكشف الذي أشار إليه فهو انكشاف الحقيقة لعين القلب. ولا تعتقدْ أنّ للسّالك وراء مقام الإحسان شيئًا٤ أعلى منه، بل الإحسان مراتبُ، وأمّا الكشف الحقيقيُّ للحقيقة فلا سبيلَ إليه في الدُّنيا البتّةَ.
والقوم يلوح لأحدهم أنوارٌ هي ثمرات الإيمان، ومعاملات القلوب، وآثار الأحوال الصّادقة، فيظنُّونها٥ نورَ الحقيقة، ولا يأخذهم في ذلك لومةُ